وزير الخارجيّة يفتتح مكتب الخدمات القنصلية في البصرة

2016/08/10 | المكتب الإعلامي |
5973

افتتح وزير الخارجيّة الدكتور إبراهيم الجعفريّ مكتباً لوزارة الخارجيَّة في البصرة لتقديم الخدمات القنصليَّة بحضور قناصل عدد من دول العالم المتواجدين بالبصرة إضافة لحضور عدد من أعضاء مجلس النواب ومسؤولي المحافظة.

وقال السيد الوزير خلال مراسم الافتتاح: قليل على البصرة أن نفتتح مُجرَّد قنصليّة لتسهيل مهامِّ المُواطِنين، فقد كنا، ولم نزل نتطلع لأن نـُقدِّم المزيد, مشدداً على إنَّ مدينة تحظى بهذه المكانة من حيث النتاجات المُتنوِّعة مثل الزراعة، والنفط، والموقع الستراتيجيّ، والنافذة على الخليج، وكلّ ما حباها الله بمُختلِف أنواع النِعَم، ومُلتقى النهرين دجلة والفرات قليل بحقها أن نفتتح قنصليّة فيها.

واوضح معاليه "أننا نأمل أن نـُوفـَّق لأن نـُقدِّم الأكثر، ونحن على أمل أن تكون هذه القنصليَّة قد سهَّلت ولو بعض الشيء، وتـُجنـِّب أبناء البصرة مغبَّة المجيء إلى بغداد، وتقطعون هذه المسافة الطويلة، وهي في الوقت نفسه بطاقة تعريف مُختصَرة وطيِّبة لحُبِّنا، واعتزازنا بمدينة البصرة."

 

وعقب الافتتاح أقيمَت احتفاليّة بالمناسبة ألقى فيها الدكتور الجعفريّ كلمة جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

قال الله -تبارك وتعالى- في مُحكـَم كتابه العزيز:

)وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(  [المائدة : 2]

جميل معشراً يضمُّ أهل مدينة البصرة، وشقيقتيها الناصريّة، والعمارة، ويستمدّ هذا الجمال من خلال عطاءاتهم الثرَّة، وتضحياتهم الجزيلة، ودماء شهدائهم التي طرَّزت هذه الأرض المُبارَكة منذ مرحلة الدكتاتوريّة إلى المرحلة الحاضرة.

يبدو أنَّ البصرة، والناصريّة، والعمارة كان قدرها، ولم يزل أن تـُواصِل جهادها، وجهدها، وتضحياتها، وكلَّ ما لديها، وها هي اليوم تـُسجِّل أروع آيات الانتصار ضدَّ داعش في ملاحم بطوليّة سمع العالم كلـُّه صوتها من أقاصي الدنيا.

ما كان لهذه الانتصارات أن تتحقق على أرض الفلوجة لو لم تتشابك الأيادي من كلِّ المحافظات، وقد تميَّز البصريُّون في عطاءاتهم في أرض الفلوجة.

ما الذي حدا بهؤلاء أن يرحلوا من هذا المكان (البصرة) إلى ذلك المكان (الفلوجة)؟

لم يكن من وحي القرب الجغرافيِّ، ولا القرب النسبيِّ، ولا لمطمع دنيويّ، وإنما ذهبوا إلى هناك مُسترخِصين دماءهم ليدافعوا عن الوطنيّة العراقيّة بكامل حجمها، فأعطوا درساً، وأظنُّ أنَّ تجربة الحشد الشعبيِّ بالذات ستكون درساً مُتميِّزاً يعكف عليه ليتملوه، ويقرأوه، ويتتبعوا آثاره، ونتائجه القريبة والبعيدة الأمد؛ ليسبروا غور هذا الكيان المُبارَك الذي استطاع بطريقة قياسيَّة، وبزمن قياسيّ أن يحقق ما حقق.

ماذا كان مآل المحافظات لو لم يكن لدينا حشد شعبيّ بعد أن هوت مدينة الموصل أمُّ الربيعين ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة بغداد، بينما البصرة أوَّل مدينة بعد العاصمة بغداد من حيث الحجم؟

كان يُمكِن لهذه المُدُن أن تتعرَّض لما تعرَّضت له الموصل، لكنَّ الذي أوقف الانهيارات التي حصلت هي التي نادت فيها الشباب العراقيين أن يذودوا عن العراق، وينهضوا بمَهمَّة الجهاد الدفاعيِّ، فكذلك كان؛ لذا أحسب أنَّ التجارب السابقة للحشود التي حصلت في التاريخ رُبَّما تتقارب من حيث الاسم، لكنها من حيث المضامين لا أتصوَّر أنها جاءت على كامل الامتيازات، والخصوصيّات التي توافرت في الحشد الشعبيِّ.

الحشد الشعبيّ توافرت له فرص رائعة، ومُميِّزات فريدة يتفاوتون في المناطق، ويتفاوتون في اللغات، ويتفاوتون في الانتماء المذهبيِّ، وحتى في الانتماء الدينيِّ، ويتميَّزون بأنهم شدُّوا الرحال للذهاب إلى هناك بزمن قصير جدّاً، وحققوا نتائج، ورخَّصوا الدم، وبذلوا كلَّ شيء، وكان يحدوهم الأمل أن يحققوا الانتصار، أو يكسبوا الشهادة. منهم مَن كسب الشهادة، ومنهم من طرَّز الأرض بأزكى الدماء، والقسم الآخر صنعوا الانتصار. هذا درس.

الذين ذهبوا إلى الفلوجة لم يذهبوا لجناية مَغنم، وإنما ذهبوا هناك لنصرة إخوانهم، وأهليهم، وهذه رسالة بأنَّ المارد الوطنيَّ، والقدر الوطنيَّ العراقيَّ لايزال هو القدر الأكبر الذي يُطبَّق على كلِّ الآفاق من دون تمييز على خلفيَّة طائفيَّة، أم قوميَّة، أم دينيَّة، أم مناطقيَّة.. وهكذا يبقى العراق كبيراً بكبر أبنائه كلـِّهم من دون أن يتعثـَّر بهذه الاختلافات؛ لذا أحسب أنَّ هذه تجربة الحشد تجربة جديرة بالدراسة، وبالاعتزاز، وأن نتحدَّث عنها؛ لذا أدعو من هذا المنبر إخواني وأعزائي الشعراء والفنانين أن يُثروا التجربة، ويتحدَّثوا عنها.

ما لم تكونوا -أيُّها الشعراء، والفنانون، والأدباء، والقصَّاصون، والرُواة- في ساحة المعركة، فكونوا في قدراتكم، وقابليَّاتكم، ومشاعركم مع إخوانكم في ميادين المُواجَهة.. النزالات الأخرى -إن شاء الله تعالى- ستكون مُبارَكة كما بارَكَ الله في نِزال الفلوجة. هذه ليست تعبيراً عن مُواجَهة عراقيّة-عراقيّة؛ تعلمون جيِّداً أنَّ الأكداس انخرطوا في صفِّ الدواعش ينتمون إلى دول كثيرة عُدَّت أكثر من 100 جنسيَّة من كبرى ديمقراطيّات العالم جاؤوا إلى العراق، واتخذوا لهم من العراق قاعدة؛ ليتجذروا فيها، وينتشروا إلى بقيَّة المناطق. ما كان مُتوقعاً أن يستطيع العراقيون بعد أنَّ رفضوا أيَّ تدخـُّل أجنبيٍّ، وأيَّ قواعد أجنبيّة، نعم.. طالبنا بإسناد للقوات العسكريَّة على مُستوى إنسانيّ وخدميّ، وعلى مُستوى ماليّ، وعلى مُستوى تدريبيّ وتسليحيّ، وعلى مُستوى تأمين الغطاء الجوّي، لكننا رفضنا بضرس قاطع أن يكون في الحرب البرّية على الأرض إلا أن ينهض بها العراقيّون وحدهم، وهكذا واجَهَ العراقيون هذه المعركة، وواجهوا هذه الحرب الشرسة بكلِّ صلابة، وحققوا نتائج باهرة، وساهموا في تحقيق الانتصار. تعلمون أنَّ تعداد الحشد الشعبيّ مائة ألف مُنتسِب، بينما تطوع للحشد الشعبيِّ ثلاثة ملايين مُواطِن عراقيٍّ؛ ممَّا يدلُّ على مدى الشعور بالمسؤوليّة العالي، وارتفاع الجانب المعنويِّ، وحُبِّ الاستشهاد، والدفاع، والذود عن الوطن، وهكذا يكون العراق حيّاً بحياة أبنائه، ويكون مُنتصِراً بانتصار أبطاله، وأبنائه.

التجارب التي سبقتنا في بلدان العالم كتجربة الهند، والصين، واليابان، وكثير من دول العالم عندما تتعرَّض لحُرُوب استثنائيّة غير تقليديّة تضطرّ لتجنيد، وتحشيد القواعد الجماهيريّة، وليس بدعاً من القول: إنَّ العراق عندما جنـَّد هذا العدد الكبير، وقد نجحت -الحمد لله- التجربة، وهي بظروف ليست طبيعيّة، إذ تطوَّع إخواننا للانضواء تحت لواء القيادة العامّة للقوات المسلحة المتمثلة بالأخ رئيس الوزراء، وأدَّوا دورهم مشكورين، وها هم اليوم ينتقلون من ميدان إلى ميدان، ولا يتركون ميداناً إلا ولهم فيه آثار النصر، وكان ذلك بمُبارَكة، ونداء المرجعيَّة التي وجَّهت نداءها في ذلك الظرف الصعب، وأظنكم تـُقدِّرون جيِّداً ما كان يؤول إليه مصير المحافظات لو لم تكن هذه الدعوة المُخلِصة من قِبَل الجماهير مثلما ذوت مدينة الموصل الحدباء بسرعة تحت مطرقة الدواعش الوُحُوش كان مُمكِناً أن تتعرَّض بقيَّة المُدُن، وقد لاح في الأفق على مدينتي صلاح الدين، والأنبار.

إخواني الأعزَّاء.. التحدِّي الذي أوجدته قوى الإرهاب بصورة عامّة في كلِّ العالم، وبصورة خاصّة داعش في العراق هو تحدِّي كبير جدّاً إذ هدَّد العراق اقتصاديّاً، وسياسيّاً، وأمنيّاً، ولم يكن أمام العراق إلا أن يردَّ ردّاً مُعادِلاً، بل مُتفوِّقاً على الصعيد العسكريِّ، وكذلك كان، وهو اليوم خرج من دائرة الادِّعاءات إلى دائرة المصاديق على الأرض.

العالم كله يتحدَّث اليوم عن العراق، وعندما يُريد أن يُطوِّر نظريَّـته ينظر إلى العراق، وعندما يتحدَّث أيُّ واحد يُمثـِّل العراق على أيِّ مِنصَّة في الأمم المتحدة، وفي مجلس الأمن، وجامعة الدول العربيّة، ومنظمة التعاون الإسلاميِّ فصوت العراق مُقدَّم على كلِّ شيء ليس لنعرة الحديث، والتمايز وإنما لأنَّ العراق عندما يتحدَّث من وحي الابتلاء الميداني والمواجهة، ولا يتحدَّث عن الإرهاب من موقع الترف الثقافيِّ.. بُيُوت العراقيِّين اليوم تزدان بوُجُود الشهداء؛ لذا عندما يتحدَّث العراقيّ في أيِّ مكان يتحدَّث بلهجة صادقة عن مُعاناتنا من الإرهاب، وعن أبطالنا، وشهدائنا، ويُصغي له العالم كلـُّه في أيِّ منبر من المنابر عندما يتحدَّث العراقيَّ..

هذا فخر للعراقيين رغم الظروف الصعبة التي يمرُّ بها العراق. لم يكن العمل السياسيّ أقلَّ شأناً؛ فقد كان -هو الآخر- خصوصاً أننا نعيش في عالم الحصارات الإعلاميَّة والسياسيَّة نرى الحقائق بأمّ أعيننا في العراق بشكل، ونسمع عنها من الخارج بشكل مقلوب، إذ تـُوصَف الضحيَّة بأنها إرهابيّ، ويُوصَف الإرهابيُّ بأنه مُقاوم، لكنَّ الخارجيَّة لم تتعب، ولم تستسلم، ولم تنفعل، وأبت إلا أن تـُقدِّم الصورة المُثلى الصادقة لما يجري في العراق، وخدمت الحقيقة، ورفعت صوت الحقيقة في كلِّ منبر من المنابر، وبدأت الصورة اليوم تتوضَّح له حتى إنَّ مُؤتمَر نواكشوط مؤتمر القِمَّة العربيّة في جمهوريّة موريتانيا الإسلاميَّة في البيان الختاميِّ ذكرت مُفرَدة الحشد الشعبيِّ في الوقت الذي في نهاية 2014، وبداية 2015 ما كان من السهل أن ترد هذه الكلمات، لكنَّ إصرار أبنائنا وأبطالنا أبناء الحشد الشعبيِّ، وإصرار العمليّة السياسيّة والدبلوماسيّة العراقيّة على حقائق الأشياء مُرتكِزة على إيمانها بحقيقة الحشد الشعبيِّ كجزء أساسيٍّ من القوى العسكريّة الوطنيّة العراقيّة بصِحَّة مبادئها، وأدائها الإنسانيِّ جعل العالم يتجاوب مع هذا المفهوم.

صورة الحشد الشعبيِّ اليوم -الحمد لله- صورة ناصعة، والعالم بدأ يتفهَّم هذه؛ لذا نحن في الوقت الذي نـُؤكـِّد فيه تمسُّكنا بمُواجَهة الإرهاب، وإصرارنا على التواصُل بهذا الطريق حتى النصر نعتقد أننا ينبغي أن نطير على جناحين: الجناح الأمنيِّ، والجناح السياسيِّ.

دول العالم اليوم يجب أن تفهم، وبدأت تفهم جيِّداً أنَّ العراق دولة كتب الله لها أن تكون قِمَّة في الحضارة، وقِمَّة في التاريخ، وقِمَّة في العلم، والأدب، وقِمَّة في الثروة، وقِمَّة في الموقع الستراتيجيِّ، وقِمَّة في الابتلاء بالمُواجَهة تجمَّعت كلُّ هذه القِمَم في العراق، وهذا يُجنـِّبنا وإياكم مغبَّة الغرور، والنظر إلى النفس بشكل مُتعالٍ وفي الوقت نفسه يُعطينا زخماً من الثقة بأننا إنما نمضي بهذا الطريق، وفي هذا المقطع التاريخيِّ الحسَّاس، وننطلق من موقع شُعُورنا بالمسؤوليّة، ونحن نـُقاتِل ليس أصالة عن أنفسنا فقط، وإنما نـُقاتِل نيابة عن العالم كلـِّه بكلِّ قارّاته؛ لأنَّ الذين يقاتلون هنا، والذين انخرطوا إنما جاؤوا من خلفيّات مُتعدِّدة وصل إلى أكثر من مائة جنسيَّة من كبرى ديمقراطيّات العالم من أميركا، وأستراليا، وكندا، وأوربا، وجنوب شرق آسيا لا تـُوجَد منطقة في العالم إلا ويُوجَد بعض أفرادها هنا؛ نحن لا نقول: إنَّ هؤلاء يُمثـِّلون بُلدانهم. إذا أردنا أن نحكم على بلد فإنما نحكم عليه من خلال خِيَرة أبنائه، ولا نحكم عليه من خلال شُذاذهم -لا نحكم على مكة من خلال أبي سفيان، وأبي جهل، وأبي لهب إنما نحكم على مكة من خلال محمد بن عبدالله -ص-، وخِيَرة الناس مَن يُمثلونهم-، لكننا طالبناهم بأنه مثلما جاء أبناؤكم من بلدانكم، ومارسوا الإرهاب، أسْمِعُونا صوت الإنسانيَّة، وصوت المُساعَدة، وصوت الدعم، والتأييد.. بدأ هذا الخطاب، وقد بدأت دول العالم تأنس لهذا الخطاب، وتتفاعل معه، وتعزَّزَ التجاوب -الحمد لله- من نمطيَّة إعلاميَّة حتى إنك تجد عندما يتحدَّث الكثير من هؤلاء في الأندية الدوليّة بالثناء على العراق، وموقف العراق، والوقوف إلى جانب العراق، وحتى في المواقف السياسيَّة يقفون إلى جانب العراق، ويُقدِّرون مِحنة العراق عندما ناشدناهم في أكثر من مُناسَبة وصلت إلى حدّ أن تحقق الجامعة العربيّة لأوَّل مرَّة في تاريخها إجماعاً عربيّاً لصالح العراق ضدَّ التدخـُّل التركيِّ، وعندما كنتُ في اجتماع واشنطن رأيتُ الكلمات التي أُلْقِيَت مِن قِبَل الدول المُشارِكة كانت سخيَّة، وإيجابيَّة، وتمَّ جمع مليارين ومائة مليون دولار تبرَّعوا بها للعراق، وإن كان هذا لا يكفي الحاجة الحقيقيّة للعراق، ولكن على كلِّ حال الوُجُود الناقص كما يقولون خير من العدم. دولة الكويت هي الوحيدة من الدول العربيّة التي تبرَّعت إلى جانب دول العالم، وفي الوقت نفسه أجَّلت القسط المُستحَقَّ في ذِمَّة العراق ثلاث مرات عام 2014، و2015، والآن 2016؛ نظراً للظروف الاستثنائيّة التي يمرُّ بها العراق.

بدأ العالم اليوم يتفهَّم ما يجري في العراق، وارتحل من التفهُّم إلى التجاوب إلى التعاطف إلى المُشارَكة في ما يحصل الآن.

هذه المسؤوليّة لا تقع على وزارة مُعيَّنة، أو شخصيَّة مُعيَّنة، بل كلُّ العراقيين مسؤولون عن كلِّ العراق من دون استثناء.

نحن جميعاً -طالما عبَّرتُ هذا التعبير: الذي يقعد في المقهى العراقيّة يجد أنه بشكل أو بآخر دخل إلى برلمان مُصغـَّر، والذي يصعد إلى سيارة الأجرة -التكسي- يجد نفسه أمام برلمان مُتجوِّل- اعتاد العراقيون أن يتحدَّثوا بالسياسة كأنهم يتحدَّثون عن أيِّ همٍّ من الهُمُوم هذا ليس تسييساً، وإنما لأنَّ الذي فتك بالعراق هو الخراب السياسيُّ الذي حكم العراق 35 سنة، ولم يترك بيتاً من البُيُوت، ولا أيّ مكان إلا وخلـَّف عدداً كبيراً من الشهداء..

مدينة البصرة مدينة الشهداء: العارف البصريّ، وقاسم عبود، وعزّ الدين سليم، وعبد الأمير المنصوريّ، والكثير الكثير من الشهداء لا تحصيهم الذاكرة هذه فقط مدينة البصرة، وكذلك بقيّة المُدُن؛ من هنا من البصرة أبى الله إلا أن يمنح هذه المدينة شرفاً بأن تكون مُبادِرة ليس فقط في مُواجَهة الدكتاتوريَّة، بل في مُواجَهة الإرهاب.. تعلمون جيِّداً ما الذي حصل عام 1991 إذ انطلقت انتفاضة شعبانيّة تحوَّلت بسرعة إلى ثورة شعبانيّة -فنُّ الانتفاضة غير فنّ الثورة.. الانتفاضة مدينة تنتفض، أو شريحة اجتماعيّة كمجموعة كـَسَبَة، أو عُمَّال سكك، أو عُمَّال طيران هذه انتفاضة أمَّا الثورة فتمتدُّ بامتداد الاستياء، والرفض من هذه الطبقة، ومن هذه المنطقة إلى بقيَّة المناطق، وتأبى إلا أن تـُسقِط نظاماً بأكمله، وتـُقيم نظاماً بديلاً عنه امتدَّت من مساحة الانتفاضة، ودخلت إلى مساحة الثورة- هذه المدن كانت قد قدَّمت في الثورة الشعبانيَّة دُرُوساً لكلِّ دول العالم قبل أن يحدث ما يُسمَّى فصل الربيع العربيّ الذي حصل في تونس، وليبيا، واليمن، ومصر..

في العراق كانت انتفاضة رجب، ثم انتفاضة شعبان..

لا ينبغي أن ننسى هؤلاء..

الأمّة التي تتناسى، وتغفل شهداءها تموت، والتي تقتل رجالها لا تستحقُّ الحياة..

بماذا الأمّة تبقى حيَّة؟

الفكر المُجرَّد وحده لا يُبقي الأمّة حيَّة، والشِعر وحده لا يُبقي الأمّة حيَّة. كلُّ هذه الأشياء تـُساهِم، لكنَّ أهمَّ شيء أن نـُبقِيَ على رجالاتنا، وشخصيَّاتنا، وإخواننا، ونـُحيي ذكرى شهدائنا لأنَّ هؤلاء ليسوا ردحاً من الماضي. اليوم عندما تتهدَّد التجربة سيجد الذي يحاول أن يُهدِّدها نفسه أمام جذور عملاقة من الشهداء الذين صنعوا التغيير سيذودون عن التغيير بالحقِّ، وسيحاربون الفساد بالحقِّ، وسينتصرون بإذن الله تعالى.

إخواني الأعزاء.. قليل على البصرة أن نفتتح مُجرَّد قنصليّة لتسهيل مهامِّ المُواطِنين، فقد كنا، ولم نزل نتطلع لأن نـُقدِّم المزيد.

إنَّ مدينة تحظى بهذه المكانة من حيث النتاجات المُتنوِّعة: الزراعة، والنفط، والموقع الستراتيجيّ، والنافذة على الخليج، وكلّ ما حباها الله بمُختلِف أنواع النِعَم، ومُلتقى النهرين دجلة والفرات قليل بحقها أن نفتتح قنصليّة.

نأمل أن نـُوفـَّق لأن نـُقدِّم الأكثر، ونحن على أمل أن تكون هذه القنصليَّة قد سهَّلت ولو بعض الشيء، وتـُجنـِّب أبناء البصرة مغبَّة المجيء إلى بغداد، وتقطعون هذه المسافة الطويلة، وهي في الوقت نفسه بطاقة تعريف مُختصَرة وطيِّبة لحُبِّنا، واعتزازنا بمدينة البصرة. فنتمنى لها كلَّ الخير، وأن تبقى البصرة مثلما تألـَّقت بتاريخها، وشِعرها، وشُعَرائها بدر شاكر السياب، وقبله الأصمعيّ، وقبله أبو الأسود الدؤليّ، والكثير من الشعراء الذين ازدانت بهم دواوين الشعر.

لكم كلُّ المحبَّة، وكلُّ الاحترام، ولشقيقتيكم الناصريّة، والعمارة، وإلى مزيد من النتاجات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.