تصريحات السيد وزير الخارجية عقب لقائه مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي وممثلي الدول الاعضاء فيه

2016/10/19 | المكتب الإعلامي |
5066

بسم الله الرحمن الرحيم

أحيِّيكم جميعاً أجمل تحيَّة في هذا اللقاء.. ها هي أجواء الدورة الثانية لاجتماع مجلس التعاون الأوروبيّ-العراقيّ المُشترَك استهللناه بلقاء مع السيِّدة فيدريكا موغريني، وتداولنا فيه الشؤون السياسيَّة المُختلِفة، ما يتعلق بالعراق، وما يرتبط بوضع العراق، والمنطقة بالقدر الذي فرزته أحداث المُواجَهة ضدَّ داعش.

من الطبيعيِّ أن تحتلَّ ملفات تحرير الموصل الأولويَّة بالحوار سواء كان باللقاء الثنائيِّ مع السيدة فيدريكا، أم اللقاءات الأخرى التي حصلت. كانت هناك مُراجَعة لعمل اللجان الفرعيَّة التي تشمل عادة اللجنة الديمقراطيَّة لحقوق الإنسان، وجرى التوقف عندها، وتعريفها، والخروج منها إلى لجنة أخرى هي لجنة التجارة والاقتصاد، وكذلك لجنة الطاقة والنقل، واستمعنا إلى خيارات الدعم الأوروبيّ. العراق ليس خافياً على أحد يحتاج إلى دعم، والعراق أنما يُقاتِل في الموصل كما قاتل في المناطق الأخرى يقاتل خطراً مشتركاً أعمَّ من العراق، بل يهمّ المنطقة، بل يهمّ العالم في أهدافه المُتوسِّطة والبعيدة، والعناصر الذين ينخرطون في تنظيم داعش بهذا العدد الكبير يأتون من بلدان العالم الديمقراطية لذلك كان اللقاء جدّاً مُثمِراً وفي تقديري كانت فرصة طيِّبة لأن أتعرَّف إلى الآراء، ونـُعرِّف حاجتنا الحقيقيَّة. نجاح الحملة العسكريَّة في الموصل سيُشكـِّل انعطاف في المسار الأمنيِّ، والمسارات الأخرى ليس فقط للعراق بل في العالم كله لأنَّ داعش لم تبدأ بالعراق ولن تنتهي بالعراق، وتحاول أن تواصل أعمالها التخريبية في أكثر من منطقة من مناطق العالم فيجب أن يُنظـَر إليها بهذا الحجم؛ ومن ثم فإنَّ العراق عندما يُقاتِل ليس فقط دفاعاً عن نفسه بل دفاعاً عن بلدان العالم كافة خُصُوصاً أنَّ عناصر داعش ينتمون إلى أكثر من مائة دولة.. مَن يمنع هؤلاء من أن يعودوا إلى بلدانهم، ويمارسوا هذا العمل التخريبيَّ؛ لذا فالعراق بكلِّ اعتزاز، وكلِّ تواضع يقول إنه يُدافِع عن بلدان العالم المُتحضِّر، عن دول النادي الديمقراطيِّ.

أنا أشيد من هذا الموقع بموقف القوات المسلحة العراقية إذ راعت كلَّ المعايير الإنسانيَّة مثلما حصل في الفلوجة لذا دفعت ثمناً غالياً، ودفعت دماً إضافيّاً من أجل الحفاظ على العوائل، وعلى السكان الآمنين، وكذلك هي تصرف وقتاً كثيراً، وتراعي الاحتياطات لأننا نعرف جيِّداً أنَّ الطرف المقابل يحاول أن يتدرَّع بالعوائل كدُرُوع بشريَّة من أجل أن يعرقل العمليَّة العسكريَّة.

القوات المسلحة العراقية بكلِّ فصائلها سواء كانت الحشد الشعبيُّ، أم البيشمركة، أم أبناء العشائر كلهم يلتزمون بهذه الأخلاقيَّة العسكريَّة من أجل أن لا يُسيئوا إلى أحد، ويُحرِّروا الموصل بأقلِّ الخسائر المُمكِنة.. طبعاً مدينة الموصل لها خُصُوصيَّاتها، وتختلف عن بقيَّة المُدُن الأخرى من حيث حجم سكانها، ومن حيث تنوُّع مُجتمَعها الموصليِّ، ففيها ديانات مُتعدِّدة، ومذاهب مُتعدِّدة، وقوميَّات مُتعدِّدة، وشرائح اجتماعيَّة مُتعدِّدة؛ لذا نحتاج إلى جهد إضافيّ.

كما أنها منطقة مُحادِدة للوضع الإقليميِّ، فيجب أن نتعاون مع الأصدقاء والإخوان كافة، وأن يتعاملوا معنا لتحقيق النصر وتحرير مدينة الموصل.

العراق وهو يمر بهذا الظرف احتاج مساعدات، وإن كان العراق بلداً غنياً مُتعدِّد الثروات، لكنّه الآن يمرُّ بظرف استثنائيٍّ، ونفقات الحرب، والنفقات العسكريَّة عالية.. العراق يدفعها من موارد الدولة من النفط.. قلت الآن بسبب الانخفاض الحادِّ لسعر النفط، وهذا الارتفاع العالي في النفقات، والانخفاض الشديد بالمردود وبالمحصول الاقتصاديِّ العراقيِّ قد عرَّض العراق إلى حالة حرجة من الناحية الماليَّة؛ لذا نشكر الدول التي ساهمت، ونتطلع لأن تواصل الدعم الماليَّ، ومختلف أنواع الدعم، والعراق بمعركته هذه يُسجِّل انتصارات، ولكم جميعاً كاتحاد أوروبي، وكذلك بقيَّة البلدان أن تفخروا، وتفرحوا في الانتصارات التي يحققها أبناؤنا الشجعان أبناء القوات المسلحة العراقية؛ لأنه ليس نصراً للعراقيين بل نصراً لكلِّ القوى الخيِّرة، والشعوب المُحِبَّة للأمن والسلام على العدوِّ المُشترَك وهو داعش.

العراق اليوم ارتقى إلى مُستوى الدول الديمقراطية التي تحترم الالتزامات كافة، العراق اليوم شرع في عمليّة ديمقراطيَّة، ومرَّ بمحطات مُتعدِّدة من الانتخابات، وأجرى تغييرات أساسيَّة في الدستور، ونحن نحترم الدستور، ونلتزم بالدستور، وحتى إذا كانت لدينا بعض التعديلات على الدستور فلن نتجاوز الدستور، وانما نعدِّل الدستور بطريقة دستوريَّة، كما نحترم السلطة التشريعيَّة المتمثلة بالبرلمان، ونعالج الأمور بطريقة برلمانيَّة حتى إذا كانت هنالك مُلاحَظات على نشاط البرلمان نعالجها ليس من موقع الفساد والاختراق؛ لذا تحاورنا مع الجهات كافة على أساس احترام الدستور، واحترام السلطات المُتعدِّدة، ونـُؤكـِّد أنَّ العمليَّة الديمقراطيَّة في العراق تسير جنباً إلى جنب مع إرساء القاعدة الاقتصاديَّة، وإرساء الجانب الأمنيِّ.

العراق صمَّم على مكافحة الفساد، والسيِّد رئيس الوزراء أعلن منذ شُرُوعه في أوَّل الدورة قبل سنتين وشهرين على مسألة إجراء الإصلاحات على الصُعُد كافة؛ لذا رغم وُجُود تحدِّي الإرهاب، واحتلال مدينة الموصل لأنه ما فتر، ول تردَّد أن يُواصِل عمليَّة الإصلاح الاقتصاديِّ.

نتطلع لمزيد من الدعم من قبل الدول الديمقراطيَّة في مُقدَّمتها الاتحاد الأوروبي؛ نأمل أن تصبّ هذه في صالح السلم والأمن.. صحيح أنَّ المساعدات التي قـُدِّمت للعراق كانت جزلة لكن بكلِّ تأكيد مَن يُدقـِّق النظر بما تحتاجه العمليَّة العسكريَّة، وماتترتب عليها من نزوح المواطنين العراقيين، والأضرار التي ترتبت تحتاج إلى مساعدات أكثر، والعراق لن ينسى مَن يقف إلى جانبه خُصُوصاً في ظروف المحنة سيبقى يتذكر الدول الصديقة التي وقفت إلى جانبه، إضافة إلى ذلك لقد عرَّف العالم جيِّداً أن الدول التي تتعرَّض لاحتلال داعش ستحظى بحضور كلِّ دول العالم، ولاينبغي أن تنفرد داعش بشعب البلد الذي تحتله، والحكومة التي تواجهها، وإنما ستواجه كلّ الحكومات الوطنية، كلّ الشعوب، كلَّ الإرادات الخيِّرة، كلَّ منظمات المُجتمَع المدنيِّ كلها ستقف إلى جانب هذا الشعب، وهذا درس بالغ التأثير بأنّ البلدان لا تقاتل وحدها بل البلدان كلها تقاتل، ولها رصيد إنسانيّ يعمُّ كلَّ المنطقة.

مرَّة أخرى أجدِّد شكري للسيِّدة فيدريكا موغريني على اللقاء الذي حصل، والتصريحات، والحوارات التي حصلت بيني وبينها في أكثر من لقاء كانت جزلة، واللقاءات كانت لقاءات مُثمِرة شكراً جزيلاً.

 

خسارة داعش للموصل لا تعني انتهاء فكرة داعش. ما خطة الحكومة العراقية لمنع عودة داعش، كيف ستتعاملون مع المدنيِّين الذين شكـَّلوا البيئة الحاضنة لداعش، إلى أين سيذهب المقاتلون الداعشيّون، وهل نسَّقتم مع سورية في هذا المجال، هل أمّنتم الحدود السوريّة-العراقيّة، وهل صحيح أنه يُوجَد خطر على أوروبا بعد طرد داعش من العراق، وماذا عن دور تركيا؟

السيد وزير الخارجية : يجب أن يجري التفكير بشكل جدِّي بأنَّ داعش تعبير عن ثقافة، وأخطر ما بالإرهاب أنه عبَّر عن ثقافة، وهذه الثقافة تقتنص عقليَّات الشباب، وتحاول أن تغريهم بقناعات مُعيَّنة، وينخرطوا في صفوفه..

هذه هي أخطر مُشكِلة في الإرهاب المُعاصِر؛ لذا يمارسون هذا العمل، ويستبسلون، ويعتقدون أنهم يمارسون عملا صحيحاً، ويُضحّون بأنفسهم.

من دون شك أنَّ المنظمات الإرهابيَّة تتروَّج في الأجواء الثنائيَّة التي تكون فيها شيء من الخلافات الطبيعيَّة فيستغلونها، ويحولون الاختلافات بالتكامل إلى اختلافات بالتحارب، والتقاطع، وهذا يذكرني بتجربة اوروبا في حرب الـ30 عاماً بين الكاثوليك والبروتستانت في 1618 إلى 1648 عام ما كانوا مُتقاتِلين، ولكن دخل الإرهاب، وشوَّش عليهم، وحوَّلها إلى عمليَّة اقتتال لمُدَّة 30 سنة، وكانت حرباً ألمانيّة-ألمانيَّة، وتحوَّلت إلى حروب أخرى.. فهذا هو أخطر شيء؛ لذا مسؤوليَّـتنا جميعاً أن لا نعتبر انتهاء صفحة داعش في العراق انتهاء الإرهاب. الإرهاب ما إن يختفي بمنطقة حتى يتحوَّل إلى منطقة أخرى؛ لأنه مبنيّ على ثقافة.

سُهُولة الاتصالات، وسُهُولة استخدام الموادِّ المُتفجِّرة، واستخدام الأهداف البشريَّة، فهو لا يستهدف قواعد عسكريّة، بل يستهدف الإنسان في السوق، والمستشفى، والمسجد، والمعابد؛ لذا سمَّيناها مرّة حرب المعابد، وحرب الأسواق. رأيتم ما حصل في الكرادة الشرقية قبل بضعة أشهر حيث الناس يتبضَّعون قبل ليلة العيد بيومين ففجَّروا هذا العدد  الكبير، وإلى الآن في مجالس الحسين -ع- مناسبات عزيزة على الشعب العراقي يمارسون تجاهها العمل الإجراميَّ، وينتهزون فرصة وُجُود أيِّ تجمُّع عراقيٍّ إنسانيٍّ، ويُفجِّرون.

من الصعب جدّاً أن تـُصفـِّر هذه المحاولات، هذا هو أخطر شيء في الثقافة الداعشيَّة؛ هم يستهدفون المدنيين.

بالنسبة لنا أعتقد أنه أخذت منا وقتاً كثيراً.. التخطيط في الفلوجة، وكيفيَّة حماية المدنيين، وإخراجهم من الضغط الداعشيِّ، والشيء نفسه سيكون في الموصل. الحكومة حريصة جداً على تجنيب أهالي الموصل مغبَّة الخطر المترتب، خُصُوصاً أنَّ داعش سيستخدمون كلَّ الأساليب من أجل إلحاق الضرر بالناس الأبرياء.

بالنسبة لتأمين الحدود مع سورية الإرهاب كليّ لا يمكِن تجزئته، وهو ينتقل من مكان إلى آخر، وسورية دولة مُحادِدة للعراق، وبدأ الإرهاب في سورية قبل أن يأتي إلى العراق، وقلنا في حينها إنَّ الإرهاب ما لم يتمَّ القضاء عليه في سورية سينتقل إلى العراق، وقد انتقل للعراق، ونصحنا في وقته العالم كله أن لا تنشغلوا بمصير الحكم والحاكم، واتركوه للشعب السوريِّ، وانشغلوا بالحرب الحقيقية الخطرة الموجودة في داخل سورية، وهي حرب الدواعش، الذي كان جيل القاعدة، ثمَّ انتقل إلى جيل النصرة، ثم جيل الدواعش -للأسف الشديد- بقي العالم خمس سنوات يُناقِش مصير الحكم، وتفرَّخت هذه الأجيال الإرهابيَّة من جيل إلى جيل، وعبثت بالمنطقة، وصدَّرت الإرهاب إلى مناطق أخرى استثمرت هذا.

من غير المعقول أن ننشغل بأيِّ نظام رضينا أم قبلنا به، ونترك المجال لثقافة داعش تنتشر، وبانتشارها ينتشر الإرهاب في كلِّ مكان، ويتصدَّر.

أمَّا عن أوروبا فلا أتمنى أن تـُفجَع بكوارث، لكنَّ داعش جاءت إلى أوروبا، ومورس عمل إرهابي في كندا، وفي أوروبا، ومُحاوَلة في أستراليا في أثناء مروري في أستراليا قبل فترة سمعت أنه تـُوجَد محاولات، وألقوا القبض على هؤلاء.

الإرهاب ينتشر في كلِّ المناطق مادام هناك جهل، ومادام هناك استياء، ومادام هناك ثقافة تحرِّض على القتل، وسُهُولة الإعداد بالقتل أمَّا نحن فلا نتدخل في الشأن السوريِّ، ولا نريد لسورية أن تتدخل في شُؤُوننا، لكننا نعتقد أنَّ مُمارَسة الحلِّ السياسيِّ، والتعاون على جعل الإرهاب هو الخط الأوَّل الذي يحظى باهتمامنا هذا هو المُهمُّ، وترك نظام الحكم للشعب هو الذي يختاره، مثلما حصل فيما يُسمَّى الربيع العربيّ الشعوب هي التي قرَّرت مصير الحكام.

ما يتعلق بالدور التركيِّ فنحن تربطنا مع تركيا علاقة جوار جغرافيّ، وعلاقة تاريخ، ومصادر حيوية، وهي منابع مياه، ومصالح مُشترَكة، وتجارة خارجية.. التجارة التركيَّة في السوق العراقية وصلت إلى 18 مليار دولار قبل سنتين، ونحن مع إبرام أحسن العلاقات، وعندما تعرَّضت لانقلاب عسكريّ وقفنا، وسدَّدناهم، وقلنا لهم: نحن نقف معكم، ولانرضى بأيِّ تبدُّل عسكريّ، فعصر الانقلابات العسكريَّة ولـَّى إلى غير رجعة.

نحن مع الديمقراطية.. نعم، نتقبَّل التغيير في أيِّ بلد بشرط أن يكون تغييراً ديمقراطيّاً بإرادة الشعب، فـُوجئنا أن يكون الردُّ التركيُّ على غير مانتوقع، وإذا بقِطَع عسكريَّة تتحرَّك، وتوحي بالتدخل، ولذلك منذ قرابة السنة نحن وقفنا موقفاً من تدخُّل القِطَع العسكريَّة التي جاءت مع مجموعة من العسكريِّين إلى منطقة بعشيقة، وأنا طرحته في مجلس الأمن، وطرحته في جامعة الدول العربيَّة، وحصلنا على الإجماع العربيِّ بالاستنكار، ورفض هذا التدخل، وإلى الآن في الوقت الذي نحن نستنكر بشدَّة، ونرفض بشدَّة، لكننا نتمسَّك بالعلاقة بشِدَّة بشرط أن تثبت الحكومة التركيَّة أنها تبادل العراق هذا الشيء.

علاقتنا مع كلِّ دولة من دول العالم بما فيها دولكم تقوم على أساس علاقة دولة بدولة، وليس حكومة بحكومة، ولا حاكم بحاكم، وإنما دولة بدولة بمعنى قاعدة شعبيَّة في بلدنا تتعامل مع القواعد الشعبيَّة في البلدان الأخرى؛ فالحاكم يتبدَّل، والحكم يتبدَّل أمَّا الشعوب فلا تتبدل، ومصالحها راسخة.. من هذا المنظور الحضاريِّ نحن نتمسَّك بالعلاقة بيننا وبين البقيَّة، وهذا العصر عصر العلاقات الإنسانيَّة، والاقتصاديَّة، والخدميَّة، وعصر التفهُّم، وهو هذا الذي سيسود.