كلمة وزير الخارجيَّة في مهرجان العراق يواجه الارهاب للأفلام الوثائقيَّة الذي أقامته الوزارة

2016/12/07 | المكتب الإعلامي |
3644

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

كانت جولة قصيرة في الزمن، عميقة في المشاعر، ضخمة في الآثار، جولة من خلال صفحات حيَّة تعجز عن تصويرها أقوى الكاميرات، وتقف أمامها إرادة أعظم مُخرِجي شركات السينما.. كانت صورة نابضة بالمشاعر، صادقة في التعبير إذ تجوَّلنا وإياكم من صفحة إلى أخرى، ونتنقل، وكيف يُصنـَع النصر.. لا يُصنـَع النصر من وحي الصدفة، بل يُصنـَع بروافد نهر يصبُّ قطرات دم، ودمع، وعَرَقٍ، وحِبْر؛ لتكون مُكوِّناً حضاريّاً..

كنا قبل قليل وإياكم في هذه الجولة على قِصَر زمنها، لكنها كانت بالغة التأثير، وأنا على يقين أنها كان تأثيرها بالغاً في نفوسنا، كما لم يؤثر فينا أيُّ شيء آخر إلا الملحمة الحسينيَّة، وهذه -أيضاً- من وحي ملحمة الحسين (ع).

حبَّذا أن أحدِّد فلسفة الدبلوماسيَّة العراقيَّة، وعقيدتها.. لكلِّ مُؤسَّسة فلسفة، وفلسفة الدبلوماسيَّة العراقيَّة أنـَّها تنطلق من الإنسان باعتباره القيمة الكبرى في الحياة؛ ولأنـَّه وحدة بناء المُجتمَع، ولأنَّ القاعدة الاجتماعيَّة تشكـِّل صرح الدولة، فنحن ننطلق من احترام الإنسان، وقيمته، والتفاعل معه بكلِّ مُفرَداته.. وجدتم قبل قليل نافذة الكاميرا قد أطلـَّت على الإنسان العراقيِّ بكامل حجمه، ولم تـُميِّز كما لم يُميِّز الواقع العراقيُّ بين مُسلِم وغير مُسلِم، بين عربيٍّ وكرديٍّ وتركمانيٍّ، بين سُنـِّيٍّ وشيعيٍّ، بين امرأة ورجل.. الجميع يحدوهم الأمل أن ينتصروا للعراق وحده من دون تمييز؛ لذا استمدُّوا كرامتهم، وقيمتهم من خلال حضارة العراق الضاربة في العمق للقِيَم الإنسانيَّة الخلاّقة التي وهبتهم طاقة لا حُدُود لها درساً بالغاً من خلال هذه المشاهد الرائعة، ولا يُحرَّر العراق إلا من خلال أبناء شعبه بالدرجة الأساس، أمَّا الأيادي الأخرى التي تمتدُّ لمُساعَدتنا فهي تصلح لأن تكون سنداً لنا، لكنها ليست بديلاً عن إرادة العراق، وكأنَّ الجنديُّ العراقيُّ يُردِّد صوت المتنبي عندما أصفه:

الجيش جيشك غير أنك جيشه              في قلبه ويمينه وشمـاله

كلّ يريد رجاله لحيـــــــــــــاته              يا من يريد حياته لرجاله

انطلقنا منذ أن غزت هذه المجاميع الهمجيَّة مُدُن العراق المُختلِفة، وتمركزت في الموصل، وانطلقنا نطوي الأرض من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر من دون أن نتردَّد.

كم كان نتمنـَّى لو أنَّ الزمن يكون أطول بأيدينا حتى نتخم كلَّ قنوات العالم، ويعلو صوتنا فوق كلِّ المنابر.. إنـَّه صوت العراق، لا صوت شخص، ولا وزير، ولا رمز سياسيّ.. هو صوت الإنسان العراقيُّ الذي أبى إلا أن يُدوِّي في أروقة العالم، ويُعبِّر عن مظلمة العراقيِّين..

العالم في الخارج لم يكن يفهم ما فهمه الآن، وكان قد دخل في التقاطعات الحادَّة التي لا طائل من ورائها.. كان يُصوِّر أنَّ العراق في حمَّام دم بين السُنـَّة والشيعة، وبين المُسلِمين وغير المُسلِمين، وبين القوى السياسيَّة المُختلِفة إلى أن صحا من غفوته، وشعر بأنَّ العراق كلـَّه يقاوم أعداء العراق كلـَّهم من دون شكّ يقاومهم جميعاً، وأنَّ كلمتهم توحَّدت، وأنَّ صفهم مُتوحِّد، وكتب الله -تبارك وتعالى- لهم النصر، وكثير من دول العالم الكبرى عجزت عن مُواجَهة هذه القوى الشِرِّيرة، لكنَّ إرادة العراقيِّين مُستمَدَّة من إرادة الله -تبارك وتعالى- صنعت ما عجز عنه الآخرون؛ فتحيَّة لكلِّ شهدائنا الذين هم أهل لأن نقدِّم لهم التهنئة والتبريك..

هم الشهداء..

هؤلاء هم الذين صنعوا حاضرنا، ويصنعون مُستقبلنا؛ لذا لنا كلُّ الفخر، والاعتزاز بهم، وبإنجازاتهم، ولا نبخل عليهم حتى بثقافة التصفيق التي -للأسف الشديد- نستحي منها.. مادامت القضيَّة مشروعة فيجب أن نملأ القاعة، ونملأ احتفالاتنا بهذه المُناسَبات، ونتفاعل من عمقنا، ونعبِّر بكلِّ أنواع التعبير عن النجاح، والمحبَّة، والتقدير، والتفاعل مع مثل هذه المُناسَبات.

اصطفَّ العالم كلـُّه في الشهر التاسع عام 2014 في أوَّل اجتماع بعد التصدِّي لوزارة الخارجيَّة في نيويورك، وكانت دول العالم تتعاقب في مدحها، وأدائها، وإسنادها للعراق، لكنَّ القاعدة الأساسيَّة التي انطلق منها الشعب العراقيُّ، والقوى السياسيَّة المختلفة أن شهد هذا المشهد الرائع، مشهد التوحُّد، أو التوحيد في صفوفه العسكريَّة من الجيش، والحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، والقوات الأخرى بكلِّ صنوفها كلها ساهمت، وقاتلت..

كان من الطبيعيِّ أن نحتاج إلى طريقة غير تقليديَّة لمُواجَهة هذا العدوِّ الأسود داعش، فكان من الطبيعيِّ أننا بأمسِّ الحاجة لأن نكون على موعد مع الحشد الشعبيِّ، لأنَّ طريقته غير تقليديَّة، والذي قهر إرادة هؤلاء إضافة إلى أبناء القوات المسلحة المختلفة، والاستبسال الرائع، والاستعداد للتضحية اللامحدود من قِبَل الحشد الشعبيِّ الذي قهر إرادة هؤلاء، ولئن واجهنا في الخارج عدم تفهُّم لهويَّة الحشد الشعبيِّ، بل بعض الأحيان كانوا قساة في الحكم على الحشد الشعبيِّ عندما كنا ننقل لهم صُوَراً سواء كان عبر الخطابات، أم اللقاءات الثنائيَّة..

لقد برهنـَّا لهم أنَّ هذا الفعل الرائع الذي جاء مُحصِّلة تضافر جُهُود أبناء شعبنا التي  ستخلق المعجزات، وقد خلقت المعجزات المجازيَّة عندما حققت ما عجزت عنه كبرى دول العالم عندما ضربها سرطان داعش الأسود.

أنا لا أنفي أننا نواجه داعش مُواجَهة عَرَضيَّة كما يُقال في فنِّ الطبِّ.. الأعراض الطارئة من خارج هذا المرض إنما يجب أن نغوص إلى عمقه، ونجتثه من الأساس.. فمادام فكر داعش إقصائيّاً مُجرماً، ويقوم على نظريَّة بثِّ الرعب بالترويع.. كيف يخلق ثقافة الرعب لمُجرَّد اسم داعش بفنِّ الترويع، والتبضيع، وحرق الأحياء، واغتصاب النساء، وحرقهنَّ بعد الاغتصاب كما حصل في تلعفر بهذه الطريقة فلابُدَّ من تثبيت مُعادِل فكريٍّ يدعو إلى المحبَّة بدلاً من الحقد، ونثبِّت الثقة بدلاً من فقدان الثقة، والألفة الإنسانيَّة بعد أن حاولوا تبضيع المُجتمَع مرَّة من منطلق طائفيٍّ، وأخرى قوميّ، وأخرى إقليميّ، وهكذا يتقدَّم العراق قِمَّة جديدة لا يكتفي أن يكون قِمَّة في الحضارة، وقِمَّة في الفكر أبى إلا يكون قِمَّة في الوحدة الاجتماعيَّة المُتنوِّعة التي يعرِف فيها بعضهم بعضاً على أساس التضحية، والاستبسال، وحُبِّ العراق، وحُبِّ الإنسانيَّة هذا ما ظهر فيه العراق الجديد في المشهد المُعاصِر الجديد، وأعطى للعالم لوناً جديداً من التألـُّق أن يتناسى كلَّ خلافاته.

لا ندعَّي أنـَّه لا تـُوجَد خلافات لكنَّ العراقيِّين أثبتوا أنـَّهم يتناسون خلافاتهم عندما يتعرَّضون للخطر، ويحدوهم الأمل لأن يُوحِّدوا صفهم.. هذه أشواط من المعركة، ولم تنتهِ المعركة بعد.. هذه بعض صفحات المُواجَهة، وليست كلَّ المُواجَهة.. هذه أصوات سمعناها اليوم على حنجرة طفل، وامرأة كبيرة، وشيخ كبير، وشابّ، وما شابه ذلك، وستبقى أصداء هذه المعركة تدوِّي عبر التاريخ، وهكذا يصنع العراق حاضره، ويصنع مُستقبَله بأيديه، ويبدأ صفحة جديدة يطوي من خلالها كلَّ الخلافات، والمشاكل، والثقافة الاستهلاكيَّة، والاستغراق ببعض الترهات التي لا تسمن، ولا تـُغني من جوع..

العراق اليوم يدخل مرحلة جديدة.. مرحلة البناء.. مرحلة استشراف المُستقبَل، ووصل مرحلة استعادة الابتسامة المسروقة، وهكذا يبعث الأمل في صفوف بعض اليائسين من أنَّ العراق -لا سمح الله- يعجز عن أن يُقوِّم نفسه بنفسه.. بل العكس العراق قويٌّ، العراق واثق بالمُستقبَل، العراق سيتخذ من كلِّ التنوُّعات الموجودة مُسوِّغاً لمزيد من القوة، العراق ليس عقيماً، وعليه أن يمدَّ يد المُصافحة، والتعامل مع أشقائه، وإخوانه سواء كان دولاً عربيَّة، أم دولاً إسلاميَّة، بل كلَّ الدول في مُختلِف مناطق العالم.. عندما وجَّه خطابه من خلال المنابر الدوليَّة وجد تلقيات رائعة، ومُمتازة في كلِّ دول العالم؛ لذا يبقى علينا من الآن فصاعداً أن نفكر كيف نواصل مسيرتنا لبناء العراق، ونجعل هذه القضيَّة التي حصلت يطويها الزمن إلى الأبد، ونبني عراقاً جديداً تسوده المحبَّة، والثقة، والألفة، والبناء، والتنمية من خلال منبر الخارجيَّة.

أوجِّه كلمات الشكر بأجزل ما تكون أوَّلا لأرواح الشهداء الأطهار الذينَّ صنعوا ما صنعوا -والأمّة التي تتنكـَّر لشهدائها لا تستحقُّ الحياة- الشهيد يمثل العمق الحضاريَّ، والإنسانيَّ في كلِّ دولة من الدول، ولكلِّ حضارة من الحضارات، ثم أوجِّه وافر الشكر والتقدير لعوائل الشهداء سواء كان الذين سقطوا صرعى في مصرع المُواجَهة ضدَّ النظام الدكتاتوريِّ البائد، أم الذين سقطوا بعد تغيير النظام.. ولعلَّ مسرح الخارجيَّة، ومحرابها شهد مجموعة، وباقة من الدبلوماسيِّين من النساء والرجال راحوا ضحايا نضالهم، وإخلاصهم للعراق، وكذلك الحال في التفجيرات التي حصلت في مُختلِف المواقع التي لا يُمكِن أن أحصيها كما حصل في فصل حرب المعابد، والكنائس، والمساجد، والحسينيَّات، ثم حرب الأسواق كما حصل مُؤخَّراً في منطقة الكرادة والمناطق كافة.. كلُّ هؤلاء يمدُّون شجرة الحُرِّية بأزكى الدماء كي يرويها بحياة عناصر المجد، والحُرِّية، والمحبَّة لكم جميعاً، وأشكر حُضُوركم خُصُوصاً السادة الذين شرَّفونا ضيوفاً أعزَّاء في هذا المكان، ونتمنى لهم، ولبلدانهم، كما أشكر كلَّ الأيادي الكريمة التي اهتزَّت أريحيَّتها، وامتدَّت لمُساعَدتنا سواء كان في المواقف السياسيَّة في الأروقة الدوليَّة، أم مُساعَدات ماليَّة، أم لوجستيَّة كلـُّها مدعاة للشكر والتقدير.. رُبَّما التقت على غير موعد، والتقت على محطة العراق، وحضارة العراق، وحاضر العراق لتـُساهِم مع العراقيِّين في مستقبل العراق.. نحن شعب نقدِّر عالي التقدير مَن وقف إلى جانبنا خُصُوصاً في ظروف المحنة، وسنبقى نواصل نضالنا، وجهادنا بكلِّ ما أوتينا من قوة لمُواجَهة هذا الخطر الداعشيِّ كما نوجِّه رسالة لكلِّ دول الجوار الجغرافيِّ أنها ستحظى باحترامنا، وتقديرنا، ونبقى على علاقة طيِّبة، لكننا في الوقت نفسه نحذر من المساس بسيادتنا، وبأرضنا، وبسمائنا، وبثرواتنا، وبإنساننا..

المُواطِن العراقيُّ، والثروة العراقيَّة عزيزة علينا لا نتسامح أبداً من قريب، أو من بعيد أن يُساء لها، أو يخترقها، لكننا في الوقت الذي نتمسَّك فيه بالسيادة نتمسَّك كذلك بالعلاقات.. كلُّ الحبِّ والتقدير لكم جميعاً على تشريفكم لنا في هذا المكان..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..