كلمة وزير الخارجيّة العراقيّة في مُؤتمَر السفراء الخامس

2016/12/16 | المكتب الإعلامي |
5261

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

أنطلق من قول الله -تبارك وتعالى- في محكم كتابه العزيز:

)فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ(

[آل عمران : 159]

ألتقي وإيَّاكم اليوم في ظرف يضجُّ بالخلافات، وتتقاطع فيه المصالح في هذا العالم، وتتروَّج فيه الحُرُوب.. في مثل هذه الظروف تكون الحاجة ماسَّة للدبلوماسيَّة أكثر من أيِّ ظرف آخر.. مَن يُبحِر في شراع الدبلوماسيَّة لابُدَّ أن يُوفـِّر لنفسه أشرعة عريضة في مثل هذا البحر المُتلاطم حيث تحدِّيات الداخل، وتحدِّيات الخارج، ويأبى شعبنا إلا أن يُواصل مسيرته المظفرة مُكلـَّلة بالنجاح، ويلثم جراحه، ويُعلي صوته في أروقة العالم.. السفير في حكم كونه يمثل وجه العراق في دول العالم، ويحمل لواء الدبلوماسيَّة من هذا الموقع يُؤدِّي دوراً مُهمّاً في ترجمة حقيقة ما يجري من تحدِّيات كثيرة حتى أصبح العالم كلـُّه يرنو مُتطلعاً إلى أخبار العراق، واحتلَّ الخطاب العراقيُّ مركزاً مُتصدِّراً في منابر العالم، وفي الوقت نفسه تتحقق إنجازات كثيرة، والعالم كلـُّه -هو الآخر- يفرح لفرحنا؛ لأنَّ موقع العراق المُتقدِّم، والمُصِرّ على التعاطف، والتعامل مع الإنسانيَّة في مُختلِف مجالاتها فرض نفسه على كلِّ دول العالم.

سفراؤنا يقومون بمَهمَّة ليست قليلة، وهي تمثيل العراق، واستثمار الفرص في الخارج؛ لاستقطاب دول العالم للاستثمار في العراق، ونحن بأمسِّ الحاجة لهذا الاستثمار.. أنظار العالم مازالت مشدودة نحو العراق وهو يواجه تحدِّيين: التحدِّي الأمنيّ، والتحدِّي الاقتصاديّ، وهذا ليس سِرّاً على أحد، لكنَّ إرادة العراقيِّين بقيت أقوى من كلِّ هذه التحدِّيات، ولم يكـُن أمام وزارة الخارجيَّة إلا الانفتاح على دول العالم، وإيصال صوت شعبنا البطل إلى كلِّ العالم من خلال منابره الحُرَّة، ومنابر الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ودول عدم الانحياز، وجامعة الدول العربيَّة، ومُنظمة التعاون الإسلاميّ، وكلّ المنظمات لم يكن أمامنا إلا أن نواصل مسيرتنا من مكان لآخر.

كان لصورة وحدة أبناء القوات القوات المُسلـَّحة العراقيَّة أروع الأثر في تقوية الخطاب الدبلوماسيِّ العراقيِّ؛ لأنه يقوم على حقيقة الصدق والمصداقيَّة؛ فقد تغذى على وحدة القوات المُسلـَّحة العراقيَّة، وشمَّر عن ساعد الجدِّ، وعندما يتحدَّث فإنـَّما يتحدَّث الخطيب الدبلوماسيّ العراقيّ سفيراً كان أو أيّاً مَن يُمثل الخارجيَّة يقف على أرضيَّة صُلبة؛ لأنـَّه يتحدَّث من وحي الواقع، ورُبَّما تكون كلماته أصغر من واقعها، وعندما يكون الواقع أكبر من الكلمة، وعندما يكون الخطيب أكبر من الخطاب لاشكَّ أنَّ كلماته تأخذ طريقها إلى قلوب المُتلقـِّين؛ لذا وجدنا آثار الخطاب العراقيِّ أخذت طريقها في نفوس المُتلقـِّين من مُختلِف دول العالم، وليست وحدة القوات المُسلـَّحة العراقيَّة المتمثلة بالجيش العراقيِّ، وقوات الحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، وأبناء العشائر، وقوات مكافحة الإرهاب، والقوات العراقيَّة كافة شمَّروا عن ساعد الجدِّ، وتواجدوا، وسجَّلوا موقفاً.. هذا هو الذي استقطب أنظار العالم، وجعل الناس كلـَّهم في كلِّ مكان ينتظرون أيَّ عراقيٍّ يتكلم؛ ليضعهم في آخر المستجدات العراقيَّة.. القوى السياسيَّة -هي الأخرى- لم تكن أقلَّ أهمِّيَّة من وحدة الصفِّ العسكريِّ العراقيّ.

الناظر بموضوعيَّة للخطاب السياسيِّ العراقيِّ، ولمُجمَل حركة القوى السياسيَّة العراقية يجد أنـَّها توحَّدت بشكل لافت حيث الجميع لا يختلفون على مُواجَهة الإرهاب، ولا يختلفون على أن يُحشِّدوا من أجل انتصار قواتنا المُسلـَّحة، والذي بانتصارهم تحققت هذه الانتصارات الباهرة.

لم يكن لدور المرجعيَّة الدينيَّة من موقف غريب علينا فقد ربطت حاضرها بتاريخها، ووقفت حامية ساندة لكلِّ أبناء الشعب العراقيِّ، كما وقفت في الأزمات لدعم العراق.

لم يكن أمامنا إلا الانفتاح على دول العالم.. هذا الانفتاح لقي تجاوباً مُمتازاً في كلِّ دولة قمنا بزيارتها، وكلِّ دولة شرَّفتنا بالزيارة إلى بغداد، وقد شهدت الفترة الماضية خلال السنتين الماضيتين حركة مكوكيَّة من دولة إلى أخرى، كما شهدت -أيضاً- زيارات تترى على العاصمة بغداد، وقد زارها رؤساء، ووزراء خارجيَّة،  ووزراء من المُستويات كافة من كلِّ دول العالم.

من جملة ما حققت الخارجيَّة من أهداف كثيرة هو إدراج الأهوار التي كانت مُهدَّدة بالخطر، والاندثار، والنسيان بعد أن تمَّ إدراجها بمنظمة اليونسكو، وفي الوقت نفسه المحافظات الأخرى ذات الطابع الأثريِّ، وما أكثرها في العراق! لأنَّ العراق مهد الحضارة.

هناك قرارات دوليَّة لدعم العراق عسكريّاً، وماليّاً، وأمميّاً بالشكل الذي جعله يحظى بموقع نائب رئيس مجلس حقوق الإنسان، وهو يعدل مجلس الأمن.

الإجماع العربيُّ الذي تحقق في الموقف من القوات التركيَّة التي دخلت عنوة إلى بعشيقة في الشهر 12 عام 2015 كان لهذا الإجماع دلالة حتى إنَّ الأخ نبيل العربيّ كرَّر عليَّ ذلك أكثر من مرّة، وحتى في آخر لقاء توادعنا بعد أن سلـَّم الأمانة إلى الدكتور أحمد أبو الغيط: لا تنسَ أنَّ ما حقق من إجماع عربيٍّ كان أوَّل إجماع عربيّ في تاريخ الجامعة العربيَّة.

أقول: الذي حصل ساهم به على مُستوى الخارجيَّة كلُّ أبنائنا وبناتنا في وزارة الخارجيَّة.. كلُّ موظف من الموظفين من دون استثناء من باب وزارة الخارجيَّة المتمثلة بفريق الاستعلامات إلى غرف التخصُّص إلى الهيئات المُختلِفة إلى أصحاب الاختصاص إلى أصحاب الملفات المُهمّة، وكذلك في بعثاتنا في الخارج كانوا خلايا نحل.. عندما كنتُ أتنقـَّل من عاصمة إلى أخرى، ومن دولة إلى أخرى أرى بأمِّ عيني العمل الدؤوب لأبناء البعثات الدبلوماسيَّة في الخارج، كنتُ فخوراً، وأرفع رأسي للعمل الرائع، وهذا أروع شيء في العطاء في الخارجيَّة أنها تعمل، وليست حريصة على أن تكشف النقاب عمَّا تعمله.

استعملت الدبلوماسيَّة العراقيَّة سياسة تحاشي الدخول في المحاور إقليميَّة كانت أو دوليّة، ونفخر الآن أنـَّنا نتمتع بعلاقة مع كلِّ دول العالم.. ليست علاقة من أجل العلاقة، وإنما علاقة تبادل مصالح، واستفادة من دعم ماليّ، وإعلاميّ، وأمميّ، وتصويتات وصلت إلى 444 صوتاً في الاتحاد الأوروبيّ لصالح العراق؛ الكثير من دول العالم ما استطاعت أن تصل، وتطمح لهذا الرقم.

خلال فترة قصيرة جدّاً أصرَّت الخارجيَّة على أن تبني المُؤسَّسات، وتتحرَّك بأدائها بحجم العراق كلـِّه.. نحن نحترم كلَّ المُنتسبين، ونتشرَّف بانتماءاتهم دينيَّة، أو مذهبيَّة، أو قوميَّة، أو سياسيَّة، ولكن مَن يعمل للخارجيَّة لا ينبغي أن يتنازل عن طموحه الذي يمتدُّ إلى حجم الوطنيَّة العراقيَّة، ولا يختزل نفسه بأحد؛ لذا التأكيد على أن يكون الانتماء الوطنيُّ العراقيُّ فوق كلِّ الانتماءات.. كانت بصمة ثابتة منذ فترة، ونحن نصرُّ عليها مع كامل اعتزازنا بكلّ الانتماءات.

التمسُّك بالثلاثيَّة الوطنيَّة التي هي: حماية السيادة، وتوفير المصالح العراقيَّة، والظهور الفعَّال في العالم.. كان هذا الثالوث طابعاً مُميَّزاً خلال الفترة التي انصرمت.

مهمَّة مُواجَهة التحدِّيات كشفت بشكل لا يقبل الشك أنَّ هذه الثنائية المتكاملة الرائعة سلاح تحمله سواعد العراقيِّين، وخطاب يُدوِّي به أبناء الدبلوماسيَّة العراقيَّة من السفراء، والموظفين كافة في أرجاء العالم؛ لذا أصبحت لنا مصداقيَّة في الميدان، ومصداقيَّة في الأروقة العالميَّة؛ لنـُلقي الضوء على حقيقة ما يجري في العراق.

كان الحشد الشعبيُّ قد تعرَّض لحالة من التشويه، فكان من الطبيعيِّ أن نشمِّر عن ساعد الجدِّ، ونعطي دعماً إضافيّاً لهذا الفصيل؛ حتى نصحِّح الصورة التي كادت بعضها أن تشوِّهها تماماً كما كنا في المُعارَضة، وحتى في الحكم عندما كنت أفرد في خطاباتي أهمِّيَّة خاصَّة لمأساة حلبجة، والأنفال إلى جانب المأساة التي حصلت في الثورة الشعبانيَّة، وعندما التحقت بها شقيقتها الانتفاضة في الأنبار ثورة الشهيد محمد مظلوم كرَّستُ من الخطاب ما يستحقُّ، وهكذا ينبغي أن يكون المُعادِل مُنصِفاً.. عندما تتعرَّض أيُّ شريحة اجتماعيَّة للظلم لابُدَّ أن ندوِّي بصوتنا، ونـُشعِر العالم بأننا نشهد على ما يحصل في العراق من تضحيات، ومن كفاءات، ومن بطولات، ونتحدَّث بلغة غير خجولة.

تواجه وزارة الخارجيَّة العراقيَّة تحدِّيات -واحدة منها كجزء من الحالة العامّة- وهو انخفاض المُوازَنة، وإن كانت حِصَّة انخفاض المُوازَنة في الخارجيَّة كثيرة، ولم يكن مُتوقـَّعاً إلى هذه الدرجة، كما أنَّ لدينا نقصاً كبيراً في عدد السفراء، ونحن بأمسِّ الحاجة للسفير، والسفير النوعيِّ الكفوء، كان لازماً أن نعجِّل بمسألة حسم السفراء، وملء الشواغر.

حُضُور الوزارة عبر سفرائها في أوساط أبنائنا العراقيِّين في مُختلِف دول العالم كان مدعاة للاعتزاز، كما رأيتُ بأمِّ عيني في الدول التي زُرتها، وكذا الحال في طبيعة العلاقات بين السفراء العراقيِّين وسفراء الدول العربيَّة، والدول الإسلاميَّة خُصُوصاً أني ألتقي في كلِّ سفرة من السفرات مع السفراء العرب، وبعض الأحيان مع سفراء الدول الإسلاميَّة، ووجدت ما يحظى به سفراؤنا من مكانة مرموقة، وهم يتمتعون بخطاب مسموع.

ما تحقق كبير، لكنَّ الطموح أكبر بكثير، مازلنا بعيدين عن هذا الطموح، ومُستوى الطموح الذي نريد، ولكن ليس أمامنا إلا أن ندفع استحقاقات الزمن، ونسمع صوت الزمن بعض الأحيان.

أنا أدرك أنَّ ما تحقق كان جيِّداً، وأنَّ ما أنجزته وزارة الخارجيَّة كان موضع افتخار واعتزاز، ولكن لا يفوتني أن أقول: لم يكن هذا بمعزل عن شقيقات الخارجيَّة من الوزارات الأخرى، والرئاسات كلها ساهمت، وهكذا عادة ما يكون النجاح هو مُحصِّلة تضافر الجهود بعضها مرئيّ طافح على السطح، والآخر غاطس لا يراه إلا الذين يُمعِنون النظر في حقائق الأمور.

أودُّ أن أقدِّم وافر شكري وتقديري لفخامة السيِّد رئيس الجمهوريَّة، والسيِّد رئيس البرلمان، وكنا نطمح أن يكون الأخ دولة رئيس الوزراء معنا، لكن في الدقائق الأخيرة وتعلمون دائماً رئاسة الوزراء أكثر المفاصل في الدولة من الناحية التنفيذيَّة تتعرَّض للطوارئ، وتغيير بعض المواعيد.. نسأل الله أن يكون المانع خيراً.

على كلِّ حال له وافر الشكر، والتقدير..

مرّة أخرى أجدِّد لكم عظيم امتناني، ووافر شكري، وتقديري لحُضُوركم، ومساهمتكم معنا في هذا المُؤتمَر..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.