وزير الخارجية يختتم زيارته الى جمهورية التشيك

2017/02/12 | المكتب الإعلامي |
330

اختتم وزير الخارجية الدكتور إبراهيم الاشيقر الجعفري زيارته الى براغ بإلقاء محاضرة عن "مستقبل العراق في ظل التحديات الراهنة" في مقر وزارة الخارجيَّة التشيكية.

وقال معالي الوزير في تصريحات صحفية في ختام زيارته، "كنا نتوقع تطهير العراق من داعش نهائيا عام 2016، ولكن الحسم تأخر لأسباب استجدَّت من الناحية الميدانيَّة، ولتدرُّع الدواعش بالأطفال والنساء لعرقلة حركة القوات العسكرية العراقـيَّة"، مضيفا ان سر الانتصارات التي تحققها قواتنا الباسلة هو وحدة عملها باتجاه واحد وهو القضاء على داعش، فضلا عن وحدة خطاب القوى السياسية الرافض لداعش والمتمسك بالحفاظ على سيادة العراق.

 واكد الدكتور الجعفري بالقول: إننا نفكر كثيراً الآن بما بعد تحرير الموصل مثلما فكرنا بما بعد تحرير الفلوجة والأنبار وصلاح الدين. فمدينة الموصل ثاني أكبر مدينة في العراق بعد بغداد ولا يمكن أن تـعمَّر إلا من خلال أبنائها وأبناء الموصل عندما يعودون إلى مدينتهم يجب أن يُؤمنوا لأنفسهم خدمات بصورة عامة كالمُستشفيات والمدارس، مشيرا الى ان الكثير من دول العالم أبدت الدعم والمساندة للعراق ونحن ندعو كل العالم لأن تقف إلى جانب العراق سيما بعد تحرير الموصل من إرهاب داعش إذ يجب أن تتضاعف الجُهُود لإعادة البنية التحتـيَّة لهذه المدينة.

وتابع السيد الوزير، اننا نـُقاتِل في العراق ليس دفاعاً عن أنفسنا لنواجه إرهاباً يستهدف العراق فقط، بل نـُدافِع نيابة عن العالم أجمع لأنَّ عناصر داعش ينتمون إلى أكثر من مائة دولة ومنها: أميركا وبريطانيا وأستراليا وكندا ولكنهم لا يمثـلون شُعُوبهم ولا دولهم ولا برلماناتهم، مشيراً إلى أن هؤلاء إذا رجعوا إلى بلدانهم سيقومون بالتخريب لذا نأمل من هذه الدول أن تقف إلى جانبنا أكثر ولهذه الدول الحق أن تفخر لأنها ساهمت في عملية الانتصار.

ودعا معاليه الى مزيد من التعاون بين بغداد وبراغ سيما في المجال الدبلوماسيّ قائلا: "نتوقع من دولة التشيك أن تضع ثمار تجاربتها الدبلوماسيَّة حتى تـُضيف للعمل الدبلوماسي العراقي تجربتها".

 

وفي ختام الزيارة القى وزير الخارجيَّة الدكتور إبراهيم الجعفريّ محاضرة بعنوان "مستقبل العراق في ظل التحديات الراهنة" في مبنى وزارة الخارجيَّة التشيكيَّة، وادناه النص الكامل لما جاء فيها:  

بسم الله الرحمن الرحيم

فرصة طيِّبة أن أتبادل وإيَّاكم وجهات النظر، ونوضِّح حقائق الأشياء التي حصلت في العراق..

العراق انتقل من مرحلة الدكتاتوريَّة في عام 2003، وبدأ رحلته الديمقراطيَّة من خلال ما شهدته العمليَّة السياسيَّة في الواقع العراقيِّ من سلسلة انتخابات بدأت في مجلس الحكم، وعَبَرَت من خلال الحكومة المُؤقـَّتة، ثمَّ الحكومة الانتقاليَّة، ثمَّ الحكومة الوطنيَّة في أكثر من دورة، وهكذا بدأ العراق فصلاً جديداً ما كان يألفه سابقاً حيث الانتخابات المُتعدِّدة، والموسميَّة، وفي الوقت نفسه اشتركت كلُّ مُكوِّنات الشعب العراقيِّ في تشكيل الحكومة الجديدة، وفي الوقت الذي بدأت تتشكـَّل الدولة الديمقراطيَّة تشكـَّلت مصداقيَّة حكومة محليَّة فدراليَّة، وهكذا لأوَّل مرّة يشهد العراق حالة من التعاطي الديمقراطيِّ الفيدراليِّ بطـُرُق سلميَّة ما كان مُعتاداً عليها سابقاً، كما بدأت بوصلة تعاطي الحكومة العراقيَّة مع مُكوِّنات الشعب بطريقة حضاريَّة، فلا حُرُوب محليَّة كما كانت في زمن النظام المقبور مع إقليم كردستان سابقاً، ومع الشيعة، ومع السُنـَّة، فيما الحكومة الجديدة بعد 2003 أبرمت أطيب العلاقات، وشاركت كلُّ مُكوِّنات الشعب فيها، وهكذا بدأت لوناً جديداً بدستور يختاره الشعب العراقيُّ، والمرأة أخذت دورها في العمليَّة الجديدة فلدينا 82 سيِّدة في البرلمان، وفي الحكومة الانتقاليَّة عام 2005 شاركت ست سيِّدات كوزيرات لأوَّل مرَّة في تاريخ العراق، بل في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، وتحسَّنت العلاقات بين العراق ودول الجوار الجغرافيِّ بعد أن عصفت بها الأزمات والحُرُوب، فهناك احتلال لدولة الكويت من قِبَل حكومة صدام حسين، وكان الاعتداء على المملكة العربيَّة السعوديَّة حين قصفها بمدفعيَّة عراقيَّة، وهناك اعتداء وانتهاك لحرمة الجارة إيران في حرب دامت ثماني سنوات، أمَّا الآن فالعراق يُبرم أحسن العلاقات مع هذه الدول، ويتجنب الأزمات، ويُحاول أن يُدير العلاقات بسياسة جديدة سياسة الدبلوماسيَّة العراقـيَّة التي تقوم على أساس القطبيَّة الثنائيَّة، العراق ودول العالم: دولة دولة.

العراق -كما تعلمون- تحيطه ست دول: تركيا، وإيران، والسعوديَّة، والأردن، وسورية، والكويت، وهذه الأنظمة تتفاوت بطبيعتها من دولة إلى أخرى.. فتركيا دولة ليبراليَّة إسلاميَّة، وإيران دولة إسلاميَّة (ولاية الفقيه)، والكويت دولة أميريَّة، والأردن دولة ملكيَّة، والسعوديَّة دولة ملكيَّة قبليَّة، وسورية دولة نظامها جمهوريّ.. العراق يتعامل مع هذه الدول رغم تفاوت الهُويَّات بقطبيَّة ثنائيَّة، ويحترم كلَّ نظام لا يتدخـَّل في شُؤُونه، ويُراعي المصالح المُشترَكة بيننا وبين هذه الدول.

تقوم علاقتنا مع هذه الدول على أساس المصالح المُشترَكة.. قد تختلف من دولة إلى أخرى.. فمع إيران عندنا مصالح مُشترَكة، ومنها: بعض منابع المياه تأتي من إيران، وبعضها الآخر تأتينا من تركيا، وهكذا مع بقيَّة الدول بين أن تكون المصالح ذات طابع مائيٍّ، أو تجاريٍّ، أو معنويٍّ من زُوَّار وُسُيَّاح يأتون من مُختلِف هذه الدول، ليزوروا العراق.. والسياحة بالنسبة للعراق تشكـِّل المورد الأوَّل غير المنظور في المُوازَنة؛ إذن علاقاتنا مع هذه الدول تقوم على أساس هذه القطبيَّة الثنائيَّة، مع إدراكنا لوُجُود تفاوت يصل بعض الأحيان إلى التقاطع بين هذه الدول. مثلاً: العلاقة كانت مُتوتـِّرة إلى حدٍّ كبير بين تركيا وبين سورية، وكلتا الدولتين جارتان للعراق.. العراق يتمتع بعلاقة جيِّدة مع تركيا، ويتمتع بعلاقة جيِّدة كذلك مع سورية، وكذا العلاقة بين المملكة العربيَّة السعوديَّة وجمهوريَّة إيران الإسلاميَّة علاقة فيها فتور، وليست جيِّدة بالشكل المطلوب، لكنَّ العراق يُصِرُّ على إدارة العلاقات مع هذه الدول رغم الخلافات الموجودة بينها؛ لذا دخل العراق بعد تغيير الدكتاتوريَّة حالة من الانسجام مع مُكوِّناته الداخليَّة، ومُكوِّناته الإقليميَّة، ولا يتدخـَّل في شُؤُون أحد، ولا يسمح لأحد أن يتدخـَّل في شُؤُونه، وعندما تعرَّض العراق للتدخـُّل التركيِّ رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأحال الموضوع إلى مجلس الأمن، وحاول استحصال رفض من مجلس الأمن، ووقفت الدول دائمة العضويَّة في مجلس الأمن مع العراق ضدَّ التدخـُّل التركيِّ، ولكنها رجَّحت أن تـُعطى فرصة أكثر للحُلُول الدبلوماسيَّة، وانتقلنا بملفِّ المُشكِلة إلى جامعة الدول العربيَّة، وحصل العراق على إجماع من الدول العربيَّة الذي كان يستنكر هذا التدخـُّل، ومع ذلك نحن في الوقت الذي استنكرنا فيه التدخـُّل التركيَّ في العراق حرصنا على أن نـُبقي العلاقة قائمة، ولا نريد أن نـُقاطِع الدول، وذلك ناشئ من فهمنا لفلسفة الدولة التي تقوم على أساس حكومة، ووطن، وشعب، وبرلمان، ودستور، وسيادة؛ فمادامت العلاقة تقوم على أساس دول، وليس علاقة حكام؛ إذن الدولة تقوم على قاعدة الشعب، ونريد أن نـُبقِي العلاقة مع شُعُوب هذه الدول ثابتة، ومُستقِرَّة، وتعبُرُ من الحاضر إلى المُستقبَل، كما عَبَرَت من الماضي إلى الحاضر؛ لذا رفضنا التدخـُّل التركيَّ، لكننا تمسَّكنا بإبقاء العلاقة طيِّبة.. هذه سياستنا الخارجيَّة حتى مع الدول الأخرى غير دول الجوار، وتقوم على أساس المصالح المُشترَكة بيننا وبين هذه الدول.. ومُؤخـَّراً دخلت مُفرَدة الخطر المُشترَك إلى حيِّز الستراتيجيَّات السياسيَّة؛ لأنَّ داعش، وقبلها القاعدة، وما بينهما جبهة النصرة تـُشكـِّل خطراً حقيقيّاً على الدول كافة، ومنها: العراق.. نعم، القاعدة لم تبدأ بالعراق، ولن تنتهي بالعراق، القاعدة بدأت في نيويورك وواشنطن في أحداث 11أيلول/سبتمبر مطلع القرن الحادي والعشرين، فبدأ العالم مرحلة جديدة اسمها (الإرهاب المُعولَم)، هذا الإرهاب لم يستثنِ بلداً من البلدان، وامتدَّ إلى أوروبا، وجنوب شرقيّ آسيا، والشرق الأوسط، وعمَّ المناطق كافة، وهو اليوم يقرع طبول الخطر في كلِّ بلد من بلدان العالم.

الإرهاب لا يُصالِح أحداً، ولا يُهادِن أحداً، وعقليَّة الإرهابيِّ لا تـُجيد فنَّ الحوار من موقع السلم، بل تـُجيد حوار التفجير، والقتل، والتشريد.. لا يُهادِنون أحداً؛ فدخلت مُفرَدة الخطر المُشترَك في علاقاتنا الستراتيجيَّة مع دول العالم، ونحن عندما ننظر إلى كلِّ دولة إنـَّما ننظر إلى مدى وُقـُوف هذه الدولة إلى جانب العراق في مُواجَهة الإرهاب؛ لذا يصطفُّ العالم اليوم مع العراق، فمنذ عام 2014 تشكـَّل التحالف الدوليُّ، واتخذ قرارات مُتعدِّدة لإسناد العراق في مُواجَهته لداعش.. العراق لم يطلب من أيِّ دولة من الدول أن يُقاتِل أبناؤها بدلاً عن أبنائنا، فأبناء العراق يُواجهون داعش بكلِّ شجاعة، ويحققون انتصارات رائعة على الأرض.. أبناؤنا من الجيش، والشرطة، والحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، وأبناء العشائر، وقوات مكافحة الإرهاب جميعاً يصطفون صفاً واحداً تحت لواء القيادة العامَّة للقوات المسلحة التي هي بيد رئيس الوزراء يُقاتِلون، ويُسجِّلون انتصارات رائعة في العراق.

الحكومة الحاليَّة عندما بدأت مسيرتها كانت الموصل مُحتلـَّة، وكانت بقـيَّة المحافظات مُعرَّضة للاحتلال بعد مُرُور قرابة الثلاث سنوات، وقد تمَّ تحرير صلاح الدين، والأنبار، واليوم تخوض غمار معركة في الموصل لتحريرها، وحرَّرت الجانب الأيسر من الموصل، والآن يجري الإعداد لتحرير الجانب الأيمن من الموصل، ويُساهِم في ذلك أبناؤنا كافة.

هناك تفهُّم دوليٌّ مُمتاز، فهناك دول وقفت إلى جانبنا، ومدَّت يد المُساعَدة سواء كان بالتدريب، منها: التشيك، وقدَّمت مُساعَدات، وتولـَّت تدريب الطيَّارين العراقـيِّين، وتدريب الشرطة العراقـيَّة، وكذلك الحال في مجال الطبِّ، ومعالجة الجرحى، وتدريب أطباء في الجانب العسكريِّ على إسداء خدمات، وهكذا وجدنا أنَّ الكثير من الدول الصديقة تسابقت في تقديم المُساعَدات في كلِّ ما يتعلق بمُواجَهة الإرهاب.

عندما نقول: العراق يُواجه الإرهاب فإنَّ العراق لا يُواجه الإرهاب لدولة واحدة، ولا لدولتين فعناصر داعش ينتمون إلى أكثر من مائة جنسيَّة في العالم؛ إذن نحن في حرب عالميَّة حقيقـيَّة على الأرض العراقـيَّة، صحيح.. أنَّ المُواجَهة على الأرض العراقـيَّة بين القوات المُسلـَّحة العراقـيَّة، وقوات داعش الإرهابيَّة لكنَّ الخلفيَّة والجنسيَّة تشمل أعداداً كبيرة من دول العالم؛ فنحن في حرب عالميَّة ليست حرباً محدودة، وإنـَّما حرب مُمتدَّة إلى عدد كبير، ولكننا لا ننظر إلى دول العالم من خلال المُواطِنين الشُذاذ الإرهابيِّين الذين جاؤوا إلى العراق من أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، وكندا، وأستراليا، وكثير من دول العالم، ومنها الدول العربيَّة، لكننا لا نحكم على هذه الدول من خلال هؤلاء الشُذّاذ، ونعرف أنَّ هؤلاء لا يُمثـِّلون إلا أنفسهم، وإنـَّما نحكم على هذه الدول من خلال تجاربها الديمقراطيَّة، وبرلماناتها؛ لأنـَّها تمثل بيت الشعب، ونحكم عليها من خلال مواقفها المُشرِّفة من العراق.

الدبلوماسيَّة العراقـيَّة منذ تشكيل الحكومة وإلى الآن في حركة مُستمِرَّة لكلِّ دول العالم؛ لتـُعرِّف بحقيقة ما يجري، وتشرح للعالم ما يحصل في العراق، وفي الوقت نفسه تـُناشِد دول العالم أن تقف إلى جانب العراق خُصُوصاً أنَّ المعركة ليست معركة عراقـيَّة مع دولة مُعيَّنة، بل هي معركة دفاع العراق عن نفسه، وعن أمن المنطقة، وأمن العالم.. داعش وسابقتها كانت القاعدة، وجبهة النصرة لم تبدأ بالعراق، ولن تنتهي بالعراق، وستبقى مُستمِرَّة؛ لذا يبقى الإرهاب يُشكـِّل خطراً حقيقيّاً، وستراتيجيّاً مُمتدّاً إلى كلِّ أراضي العالم، وكلِّ الدول؛ لذا فهمت هذه الدول هذه الرسالة، ووقفت إلى جانبنا مشكورة، وقدَّمت يد المُساعَدة التي قبلناها، ومنها تأمين الغطاء الجوّيّ خُصُوصاً أنَّ العدوَّ الداعشيَّ يستخدم أساليب وحشيَّة كالشاحنات المُحمَّلة بأطنان المُتفجِّرات، وهذه لا تكفي لأن يُواجهها الجنديُّ المُقاتِل من دون أن يكون هناك غطاء جوّيّ يُساعِده على رصد حركة هؤلاء، كما قدَّمت بعض التدريبات، وبعض الأسلحة التي نحتاجها.. نحن قبلنا هذه المُساعَدات لطبيعة المعركة التي نواجهها، وهي طبيعة شرسة جدّاً.

ونحن نخوض غمار هذه المعركة كنا نفكر كثيراً بما بعد تحرير هذه المُدُن.. ماذا نعمل بعد التحرير لإعادة النازحين الذين خرجوا من الموصل، وذهبوا إمَّا بنُزُوح داخل العراق، وإمَّا بهجرة خارج العراق.. نحن كنا نقدِّر أنَّ عدد مَن سينزحون من الموصل مليون وربع المليون سيتركون الموصل في معركة التحرير، وإلى الآن لم يتجاوز العدد 65 ألف نازح، وكانت الحكومة قد أعدَّت العُدَّة لأعداد أكبر من هذه، والآن تحرَّر الجانب الأيسر من الموصل بالكامل، والعمليَّات مُستمِرَّة، ولن تتوقف حتى تـُحرَّر مدينة الموصل كلـُّها مثلما حُرِّرت الأنبار، وصلاح الدين.

سِرُّ الانتصار هو وحدة موقف القوات العسكريَّة التي عملت تحت لواء القوات المُسلـَّحة العراقـيَّة، وفي الوقت نفسه وحدة الموقف السياسيِّ لكلِّ العراقيِّين الذين يختلفون في بعض المجالات، ولم يختلفوا في الحفاظ على سيادة العراق، ووحدة العراق، ومُواجَهة الإرهاب.. لم يختلف المُسلِمون وغير المُسلِمين، والسُنـَّة والشيعة، والعرب والأكراد والتركمان على ضرورة مُواجَهة داعش.. كما تعلمون العراق بلد مُتنوِّع التكوين، وبلد حضاريّ؛ لذا يعرف كيف يتعامل مع الجنسيَّات الأخرى.. حضارة العراق تمتدُّ لستة آلاف سنة.. حضارة العالم بدأت من العراق، والعراقـيُّون اعتادوا على أن يعيشوا في مُدُن مُتعدِّدة، فيجدون الآخر الدينيَّ، والآخر القوميَّ، والآخر المذهبيَّ، والآخر القبليَّ، ولا تـُوجَد مدينة عراقـيَّة تخلو من الثنائيَّة القوميَّة، والثنائيَّة الدينيَّة، والثنائيَّة المذهبيَّة.

منذ شرعنا في العمليَّات في 2014 ألقيتُ خطاباً في نيويورك في الأمم المتحدة، وقلتُ في وقته: نحن نواجه داعش على ثلاثة مديات، المدى الأوَّل: كيف نـُوقِف حركة داعش، والعمليَّات الإجراميَّة لداعش، والمدى الثاني: هو كيفيَّة تقديم الخدمات الإنسانيَّة، وكلِّ ما يحتاجه المُواطِنون في هذه المناطق، والمدى الثالث: هو عمليَّة التحرير كاملة، وإعادة بناء البنية التحتيَّة لهذه المُدُن التي تضرَّرت من وُجُود داعش.

نحن الآن في المرحلة الثالثة، ولا يُوجَد أحد أكفأ وأفضل من ابن المدينة للمُساهَمة في إعادة البناء، وإسداء الخدمات، ولكنَّ أبناء المدينة منهم مَن هاجر إلى الخارج، ومنهم مَن نزح إلى داخل العراق، ولا يُمكِن أن يعود من دون أن يُؤمِّن لنفسه مُستشفى للمريض، ومدرسة لأبنائه، وكذلك الحال في بقـيَّة الأشياء الضروريَّة؛ لذا ناشدنا العالم أن يُساهِم في دعم العراق خُصُوصاً أنَّ المعركة عالميَّة يُساهِم إلى جانب العراق من أجل تحقيق هذه الانتصارات، ونحن نعتقد أنَّ الانتصار في العراق ضدَّ داعش هو انتصار لكلِّ دول العالم.

داعش تحاول أن تمتدَّ، ومثلما امتدَّت من الشام إلى العراق ستمتدُّ إلى دول أخرى.. عندما كنتُ في شمال أفريقيا قبل بضعة أشهر وجدتُ قلقاً في ليبيا، ودول الحوض الليبيِّ: تونس، والجزائر، ومصر قلقون جدّاً من أنـَّه ماذا إذا جاءت داعش إلى ليبيا بعد أن تـُهزَم في العراق؟.. ستـُشكـِّل خطراً ليس فقط على ليبيا، بل على الدول المُحيطة، والمُحادِدة لليبيا.. أنا أعتقد أنَّ قلقهم مشروع؛ لذا على دول العالم أن تفكـِّر بأنَّ هذا الخطر يجب أن تتضافر كلُّ جُهُودنا من أجل مُواجَهته.

نظريَّة الدواعش خطرة جدّاً تقوم على أساس بثِّ الرعب فهم يُمسِكون الضحيَّة، ويتفنـَّنون في قتله، ويُحرقونه وهو حيّ طفلاً كان أم امرأة، أم رجل.. صغيراً كان أم كبيراً، ويبثون صُوَره حتى تراه الناس، وترتعب منه.. هكذا خطر لا أظنُّ أنَّ أيَّ دولة من دول العالم سبق أن شاهدت مثل هذا النوع من الإرهاب لا هولاكو، ولا جنكيز خان، ولا هتلر، ولا موسوليني..

تـُوجَد وثائق أنَّ بعض الإرهابيِّين يقتلون آباءهم، ويقتلون أمهاتهم؛ لأنـَّهم يعترضون على عملهم في داعش، وتـُوجَد صُوَر أخرى آباء يقتلون أبناءهم؛ لأنه يعترضون على انخراطهم في داعش.. نحن أمام حالة شاذة حتى الحيوانات لا تمارسها؛ لذا ينهض العراق بالمَهمَّة أصالة عن نفسه، ونيابة عن بقـيَّة دول العالم في مُواجَهة الإرهاب.. نحن نـُؤكـِّد مرَّة أخرى أننا لا نريد أن تقدِّم دول العالم أبناءها لتـُقاتِل بدلاً عن أبنائنا، ولكن يجب أن يقفوا إلى جانب العراق بتقديم المُساعَدات المطلوبة سواء كان في التدريب، أم الموادِّ اللوجستيَّة، أم إيصال الأسلحة، وتقديم الخدمات، والمُساعَدات المادِّيَّة.

الآن نحن نفكر بما بعد تحرير الموصل هذه المدينة المُتسِعة المُتنوِّعة المُجتمَعيَّة ذات المُستوى المعاشيِّ العالي، مدينة عامرة فيها جامعات، ومصانع، ومعامل، وفيها الكثير من سمات الخير.. عندما تتحرَّر كيف نعيد إليها ابتسامتها المسروقة، وكيف نبدأ عمليَّة استئناف حياتها؟..

نريد من الناس أن يعودوا في أسرع وقت مُمكِن إلى الموصل، كما كنا نريد ذلك في الأنبار، وصلاح الدين، لكنَّ هؤلاء لديهم أبناء، ويُريدون مدارس، ولديهم مرضى يحتاجون إلى خدمات طبِّية، ويحتاجون إلى مُستشفيات؛ لذا يُذكـِّرني ذلك عندما ارتكبت ألمانيا في زمن هتلر حماقة جرَّت العالم هي وإيطاليا في زمن موسوليني إلى حرب عالميَّة ثانية.

ماذا كانت النتيجة؟

النتيجة خسر العالم 55 مليون ضحيَّة، ولكن عندما انتهت الحرب جاء ترومن بمشروع مارشال لتقديم المُساعَدات لإعادة بناء ألمانيا والدول الأخرى؛ لئلا يتكرَّر الحقد، ودفعهم لجرِّ العالم إلى حرب جديدة.. فالدولة عندما تتعرَّض لحرب، وخراب لابُدَّ لبقيَّة الدول أن تقف إلى جانبها، وتساعدها.. أنا أعلم، وأنتم تعلمون في الحرب الثانية فتحت أوروبا أبوابها لاستقبال المُهاجرين، والنازحين -نحن لم نشجِّع أحداً على أن يترك العراق، بالعكس نحن نشجِّعهم على البقاء في العراق، وقد سبق أن تركنا العراق، وهاجرنا للخارج لأننا كنا نكتوي بنار الديكتاتوريَّة المتمثلة بصدام حسين-، لكنَّ الذين خرجوا اليوم من مُدُنهم ما خرجوا من الحكومة، والنظام الحاكم، بل خرجوا من نار الإرهاب؛ لذا هو يهرب من الموصل، ويلوذ بدهوك مدينة عراقيّة في كردستان، ويأتي إلى بعقوبة وهي مدينة عربيَّة في العراق، ويأتي إلى كربلاء وهي مدينة عراقيَّة يلوذ بها؛ هذا يعني أنَّ الهُرُوب ليس من النظام، وليس من الحاكم، وإنما من الإرهاب؛ لذا نأمل أن تتفهَّم دول العالم ذلك، وتساعدنا.

نحن لا نستطيع أن نمنع أحداً من أن ينزح من مدينته إلى مدينة أخرى، لا يسمح لنا الدستور، ولا نستطيع أن نمنع أحداً من أن يُهاجر إلى خارج العراق، لكننا نستطيع أن نوفر أجواءً جيِّدة في مُدُنهم داخل العراق؛ حتى يعودوا مرَّة أخرى بسلام من دون إجبار..

هذه مسؤوليتنا جميعاً..

نعتقد أنَّ العراق يقطع أشواطاً رائعة في السيطرة على داعش، وفي إعادة المُدُن إلى أهلها الشرعيِّين، والآن تحرَّرت صلاح الدين، والأنبار، أمَّا الموصل ففي طريقها النهائيِّ لأن تتحرَّر -إن شاء الله-؛ وهذا يجعل كلَّ شُعُوب العالم، وكلَّ حُكومات العالم تفرح لأنَّ هذا النصر نصر مُشترَك، وهو تعبير عن إرادة شعبنا، ومُقاتِلينا، وتضحياتهم، وتعبير عن إرادة الشُعُوب الخيِّرة التي وقفت إلى جانبنا.. العالم يحبُّ التفاهم، ويحبُّ السلم، ويحب الإصلاح..

منذ فجر التاريخ كان المُصلِحون، ورجالات الأمن، ورُسُل المَحبَّة موجودين في بلدان مُختلِفة، ولكنهم يلتقون باتجاه واحد.. قبل ميلاد السيِّد المسيح بـ2000 سنة، وتحديداً من 480 إلى 600 قبل ميلاد السيد المسيح ظهر خمسة مُصلِحين في العالم، وهم: بوذا، وكونفوشيوس، وأشعيا الثاني، وزرادشت، وفيثاغور، هؤلاء رُوَّاد الإصلاح الخمسة.. رُبَّما لم يعرف أحدهم الآخر، لكن خلال 120 سنة ظهر هؤلاء جميعاً، وكانوا يُطالِبون بالإصلاح، وحفظ الشُعُوب، والأمم أن لا تتقاتل، لكنَّ وُجُود شُذاذ يظهرون بين فترة وأخرى، ويستغلون الخلافات، والمُجتمَعات الثنائيَّة التكوين، ويُحوِّلونها من ثنائيَّات مُتكامِلة إلى ثنائيَّات مُتصارِعة، ومُتقاتِلة.. دعوني أضرب لكم مثلاً عمَّا حصل في القرن السابع عشر، وتحديداً عام 1618 كان في ألمانيا معركة بين الشمال والجنوب بين الكاثوليك والبروتستانت يُسمِّونها حرب الثلاثين عاماً من عام 1618 إلى 1648 اقتتال ألمانيّ-ألمانيّ، بعد ذلك امتدَّ إلى خارج ألمانيا، وأصبح ألمانيّ-أوروبيّ، وانتقل إلى السويد، والدنمارك؛ فكلُّ مُجتمَعات فيها ثنائيَّات ما لم تسُدْها ثقافة المَحبَّة، والأخوَّة، والانسجام يسودها الاقتتال.. على سبيل المثال: تلعفر، وهو قضاء من أقضية الموصل يسكنه الغالبيَّة من التركمان نصفهم من السُنَّة، والنصف الآخر من الشيعة اعتدى الإرهاب في هذه المنطقة على النساء، واغتصبوهنّ، وقتلوهنَّ.. هذا هو الإرهاب المُعاصِر.. نحن نواجه حرباً، ونواجه عدوّاً شرساً، ومُتوحِّشاً كهذا العدوِّ لا يتردَّد، ولا يتأخر في الإجرام.

دول المنطقة تعاني من الإرهاب.. كان أوَّل مرَّة موجوداً في أفغانستان، ثم انتقل إلى سورية، ومنها إلى العراق.. دول المنطقة اليوم تعاني من القلق، وهذا الأجواء استفاد منها الإرهابيُّون.

في سورية كان رأينا هو الحلّ السياسيّ، وترْكُ سورية وشأنها، وجعل الشعب السوريّ هو الذي يُقرِّر.. نحن نحدِّد موقفنا من الحكومات من خلال الشُعُوب، وليس العكس، الشعب لا يسمح لأحد أن يتدخل في شُؤُونه، كلُّ دولة من دول العالم نحترم شعبها، وننظر إلى الحكومة من خلال احترام الشعب لها.. التغيير هو معنى الديمقراطيَّة، وهي حكم الشعب، والشعب هو الذي يُقرِّر.

كان رأيُنا منذ وقت مُبكـِّر أن لا نتدخـَّل في الشأن السوريِّ تدخـُّلاً عسكريّاً، والشيء نفسه الآن في اليمن فهناك تدخـُّل عسكريٌّ سبَّب خسارة كبيرة.. استخدام أسلحة راح فيها أبرياء كثيرون قتلى، وكان رأيُنا -أيضاً- أن لا نتدخـَّل في الشُؤُون اليمنيَّة تدخـُّلاً عسكريّاً مثلما لا نقبل أن يتدخـَّل أحد تدخـُّلاً عسكريّاً في العراق، ويُوجِّه أسلحته ضدَّ الشعب.

سُئلْتُ أكثر من مرة: أنتم قبلتم المُساعَدات من دول خارجيَّة؟

قلتُ: نعم.

قالوا: إذن ليكن تدخـُّل -أيضاً- في اليمن.

قلتُ له: الحوثـيُّون شريحة اجتماعيَّة يمنيَّة، نبتة من أرض اليمن، وبالنسبة لنا الدواعش يأتون من أكثر من مائة دولة.. ماذا نعمل؟ هل ننتظر أن تسقط المحافظات محافظة بعد أخرى.. تذهب صلاح الدين، والأنبار، والموصل، وتزحف على ديالى، والحلة، والديوانيَّة، والناصريَّة، وكردستان، والمحافظات كافة؟

لا يُمكِن أن نقبل هذا..

نحن لدينا علاقة مع إيران نراعي فيها استحقاقات الجغرافية، والتاريخ، والمصالح المُشترَكة، ومنابع المياه، وفي الوقت نفسه هم لديهم أعداد كبيرة من الزُوَّار يأتون إلى كربلاء والنجف يزورون العتبات المُقدَّسة، ونحن لا يحِقُّ لنا، ولا نقبل أن نمنع أحداً، فمن الطبيعيِّ أن يأتوا إلى العراق؛ لذا صُغنا العلاقة بيننا وبين دول الجوار وبقيَّة دول العالم على أساس المصالح المُشترَكة، والخطر المُشترَك.

تركيا نظام ليبراليّ على طريقة إسلاميَّة نحن نتمتع بأحسن العلاقات معهم، صحيح قبل فترة، وتحديداً في نهاية 2015 -للأسف الشديد- دخلت بشكل مُفاجئ إلى بعشيقة، واستنكرنا هذا الشيء، ورفضناه، وطلبنا من الأمم المتحدة أن تتخذ إجراءات حازمة وصارمة، وألقيتُ كلمة في مجلس الأمن في نيويورك لحمل تركيا على الانسحاب، وحاورنا الحكومة التركيَّة، وحاورنا كلَّ الدول المعنيَّة، وطلبنا اجتماعاً لجامعة الدول العربيَّة استثنائيّاً، وبالفعل اتخذت جامعة الدول العربيَّة قراراً بالإجماع لأوَّل مرَّة في تاريخها بإدانة التدخـُّل التركيِّ، ومُطالبة تركيا بالانسحاب، وإلى الآن لم نـُطالِب بقطع العلاقة، والسفير العراقيّ موجود في أنقرة، والسفير التركيّ موجود في بغداد.

نحن دولة مُتحضِّرة، ولدينا تاريخ، ونحرص على بقاء العلاقة مع كلِّ هذه الدول، وفي الوقت نفسه لا نخجل، ولا نتردَّد في أن نُطالِب هذه الدول المُعتدية بأن تسحب نفسها من العراق.

نحن نعتزُّ أنَّ لدينا علاقة مع كلِّ دول الجوار الجغرافيِّ.. نعم، قد تتفاوت العلاقة من دولة إلى أخرى؛ توجَد دولة بطبيعة تاريخ العلاقة، وحاضرها يجعلها تتميَّز أكثر من غيرها، ولكن -على العموم- علاقتنا جيِّدة مع كلِّ هذه الدول.

العراق الآن يخطو خطوات رائعة، وحثيثة على طريق تعميق العلاقات أكثر فأكثر، ونعتقد أنَّ فرص تعميق العلاقات مع هذه الدول لاتزال موجودة.. العالم اليوم ليس عالم قرب جغرافيّ، وإنما قرب اقتصاديٌّ، وفكريٌّ، وحضاريٌّ، وإنسانيٌّ.. رُبَّ دولة بعيدة من الناحية الجغرافيَّة، لكنها قريبة من حيث المصالح، والقِيَم، والأفكار.

العالم اليوم عالم اتصالات؛ لذا أثمِّنُ وقوف لدول العالم إلى جانبنا عندما أرسلت مُستشارين بناءً على طلب العراق، ومُوافقته، ولا يُوجَد في عمليَّة إدارة العمليَّات العسكريَّة على الأرض غير العراقـيِّين.. العراقـيُّون هم الذين يُحدِّدون اتجاه المعركة، ويُواجهون الدواعش، لكنَّ المُستشارين موجودون من كلِّ دول العالم: من أميركا، وبريطانيا، ومن أوروبا، وغيرها من دول العالم تـُساهِم في تقديم المشورة لنا.

هذه الدول -في تقديري- تشكـِّل رصيداً بالنسبة للعراق، ولغير العراق، ونتمنى أن تدخل هذه الدول، وتتضافر جُهُودها من أجل إيجاد أجواء جيِّدة بيننا وبينكم، وبين كلِّ دول العالم.. نحن الآن نطلب من هذه الدول التي برهنت على أنـَّها إلى جانب العراق أن تستغلَّ فرص الاستثمار، وكلُّ الحقِّ لأن تستثمر اليد التي تدعم، وتبذل الجهد، وتحافظ على أمن العراق.

يجب أن تكون الأولويَّة في الاستثمار بالعراق لهذه الدول.. العراق سوق رائجة للاستثمار؛ لأنه مرَّ بحُرُوب الخليج الأولى، والثانية، والثالثة، والآن الحرب الرابعة وهي حرب الإرهاب، وقد تصدَّعت البنية التحتـيَّة، فلابُدَّ من استئناف بنائه، وهو دولة ثريَّة إلا أنَّ ظروفه استثنائيَّة، ويُمكِن أن يصعد مرَّة أخرى في أيِّ وقت، ويستأنف حركته، وصعوده، ويبدأ بإعادة البناء فيه؛ لذا فالدول التي ساهمت يُمكِن أن تأتي، وقد أتت الكثير منها، أمَّا القلق من الناحية الأمنيَّة، فلم يعُدْ له مُسوِّغ،  فكردستان آمنة، والجنوب آمن، ومنطقة الوسط آمنة، والمنطقة الغربيَّة التي كانت مُشتعِلة فيها المُواجَهة ضدّ الإرهاب الآن هي آمنة، وبقي شيء قليل جدّاً في الموصل، فلم تعُد مسألة داعش تـُشكـِّل خطراً، ومانعاً أمام الاستثمار.

عندما تكون الإرادة جادَّة، ففرص الاستثمار مُتوافرة.

أنا سعيد جدّاً باللقاء بكم، وأودُّ أن أستمع إلى ما تجود به قرائحكم من مُلاحَظات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

  • ما علاقة العراق مع روسيا ضدّ داعش، وهل هناك تدخـُّل روسيّ، وما يتعلق بروسيا، والاستثمار.

الجعفريّ: علاقة العراق مع روسيا جيِّدة كجزء من ستراتيجيَّـتنا التي تقضي أن نحتفظ بعلاقة جيِّدة مع كلِّ دول العالم.

ما يتعلق بالجانب الأمنيِّ فلم نقصر تعاوننا فقط مع دول التحالف، فالصين ليست من دول التحالف، وعندما التقينا أنا والسيِّد وزير الخارجيَّة الصينيّ قال: نريد أن نـُساعِد، لكنَّ سياستنا الخارجيَّة لا تسمح لنا بالدخول في التحالفات الدوليَّة.. قلنا له: نحن نرحِّب، وأهلاً وسهلاً، وليس بالضرورة أن تكونوا في دول التحالف، نرحِّب بكم، وكذا إيران ساعدتنا، وهي ليست من دول التحالف.

العراق يتعامل مع دول التحالف، ويتعامل مع أيِّ دولة تحبُّ أن تـُساعِدنا حتى لو كانت خارج التحالف، ولا نرفض مَن يُساعِدنا خُصُوصاً أنـَّنا تعرَّضنا لمرحلة حرجة.

أمَّا ما يتعلق بالعلاقة بين روسيا وسورية فأعتقد أنها علاقة واضحة بأنَّ هناك تنسيقاً كما يبدو لي، وعلاقة تبادل مصالح، ودفع أخطار مُشترَكة بين روسيا وسورية.

روسيا لاعب أساسيٌّ في التعامل على الأرض، ولم يعُدْ سِرّاً على أحد؛ لأنـَّها تتعامل بشكل واضح، وكذلك تـُوجَد دول إقليميَّة، ودول أخرى.

قدر تعلـُّق الأمر بنا نحن نتعامل مع روسيا كدولة قطبيَّة ثنائيَّة، وهي العراق وروسيا، كما نتعامل مع سورية كدولة بالقطبيَّة الثنائيَّة.

نحن نفتح العلاقات مع الدول كافة، ونتجنـَّب سياسة المحاور الدوليَّة، ولا يعني عندما نبرم علاقة مع دولة أن نقاطع خصمها.. نحن نبرم العلاقة مع الدول حسب مصالحنا، ونعتقد أنَّ هذه سياسة حكيمة، وصحيحة.

 

  • ما رأيكم بتخفيض الإنتاج من النفط؟

الجعفريّ: نحن نـُؤيِّد خفض الإنتاج؛ من أجل زيادة الأسعار؛ لأنَّ هذا خاضع لمُعادَلة العرض والطلب؛ فعندما يكون الإنتاج غزيراً، ويغمر السوق سيُؤدِّي إلى خفض الأسعار.

نحن مع خفض الإنتاج لبعض الدول، ولابُدَّ أن يُستثنى العراق؛ لأنـَّه بلد مُتضرِّر، ويمرُّ بحرب، ويضع مُوازَنة استثنائيَّة تتعرَّض للعجز؛ بسبب انخفاض سعر النفط من جانب، وارتفاع تكاليف الحرب من الجانب الآخر؛ فنتصوَّر أنَّ خفض الإنتاج من قبل دول مُعيَّنة، ورفع إنتاج النفط العراقيّ بالنسبة لنا هو الطريقة الوحيدة التي نعوِّض بها عن خسارتنا.

العالم كلـُّه يُدرك أنَّ العراق يمرُّ بظرف استثنائيٍّ، ويجب أن يُدعَم بصورة مُباشِرة وغير مُباشِرة، وما يتعلق بحُصُول داعش على اليورانيوم فليس لديَّ معلومة دقيقة بأنه فعلاً هناك يورانيوم، وهناك سيطرة لداعش عليه، ولكن تأكـَّد أنـَّه لو تتوافر فرصة لدى داعش باستخدام أيِّ سلاح خطر فلن يتأخـَّر لحظة في استخدامه، وبأخطر أسلوب.. هكذا علـَّمتنا التجارب.

ماذا تتوقع من إنسان عمره فوق الـ60 سنة يقتل ابنه بيده؟! إنـَّه لن يتردَّد، ولن يتوانى في أن يستخدم سلاحاً يعتقد هو ضدّ عدوٍّ له.

مصطلح (الدولة الإسلاميَّة) الذي يُطلـَق على عصابات داعش مُستفِزٌّ للمُسلِمين؛ لأنَّ دولاً إسلاميَّة كثيرة ترتبط بعلاقات معكم، وترون سفراءهم، وأبناءهم، وطلابهم في بلدانكم يذهبون، ويتعاملون معكم.. داعش ليس دولة.

لماذا؟

لأنَّ للدولة خمسة عناصر: أرض، وسيادة، وحكومة، ودستور، وبرلمان.. كلـُّهنَّ غير موجودات لدى داعش.

ماذا تعني كلمة مُسلِم؟

من السِلم، والسلام صفة من صفات الله، وأوَّل ما ينهض المُسلِم صباحاً يقول: السلام عليكم، وعندما يُنهي صلاته يقول: السلام عليكم ورحمة الله.

السلم والأمن مُتشبِّع في دم المُسلِم، أمَّا داعش فيقتلون الناس الأبرياء، ويعتدون على النساء، ويسرقون الأموال، ويُفجِّرون المساجد والمعابد؛ إذن كيف يتسنى لنا أن نقول: إنـَّه مُسلِم؟!

ما علاقته بالإسلام؟

أرجو أن يتمَّ تدارك هذا المصطلح، وأن يُقال داعش؛ هؤلاء أعداء الإسلام، ولا يمتون للإسلام بصلة.

العراق بلد حضاريّ عريق منذ مئات إن لم نقـُلْ آلاف السنين أهله مُتعايشون، ولا تـُوجَد مدينة عراقـيَّة أحاديَّة التكوين.. أنا من مدينة كربلاء، وكربلاء عاصمة الشيعة، لكنَّ كربلاء فيها من إخواننا السُنـَّة؛ لذا فالمُواطِن العراقيُّ لا يقرأ كتاباً عن الصابئة؛ لأنه يرى الصابئة في الشارع إلى جانبه، ولا يقرأ كتاباً عن المسيحيِّين؛ لأنهم موجودون في الموصل.. أنا خِرِّيج جامعة الموصل أراهم في الموصل، وفي بغداد، وفي محافظات أخرى، والإيزديّة كذلك موجودون في سنجار يتعايشون مع غيرهم من العراقـيِّين؛ فالعراق بلد التنوُّع في التكوين الديمغرافيِّ، وبلد النوعيَّات المُمتازة.. بلد حضاريّ عريق.

أمَّا الشباب فهم عِماد المُجتمَع العراقيِّ، وهم أسرار نجاحه، والقوة تكمن في الشباب؛ لأنَّ الشابَّ فيه طاقة خلاقة، وليس حبيس الماضي، ويستقبل الحياة بعقليَّة مُنفتِحة، ولديه إرادة قويَّة، ومُتصالِح مع الآخر؛ لذا نُعوِّل على أنَّ الشباب هم الذين يبنون حاضر كلِّ بلد، أمَّا المرأة فهي القاعدة الأساسيَّة لبناء القِيَم.

إنَّ الشابَّ يبني حاضر البلد، والطفل يبني المُستقبَل، أمَّا المرأة فهي صانعة الصناع، وكلُّ دول العالم اهتمَّت ببناتها ونسائها صنعت لنفسها حاضراً ومستقبلاً، وعلينا أن نهتمَّ باحتياجات الشباب سواء كانت في مرحلة الإعداد والدراسة، أم في مرحلة التعيين وتوظيف الطاقات، وفتح مجالات الإبداع.

الشباب العراقـيُّون نهضوا، وأوقفوا داعش، وحرَّروا المُدُن من سطوة الإرهاب.

أمَّا سؤالك عن معارك في الحُدُود، أو على الحُدُود فكثير من الحُرُوب التي حصلت سابقاً احتلت الحُدُود الصدارة فيها، ولسنا بصدد العودة إلى التاريخ، ولكننا نعتقد أنه ليس من الصحيح أن نؤيِّد، ونروِّج لحُرُوب تقوم على خلافات الحُدُود، وإذا كان ثمَّة خلافات على الحُدُود فينبغي أن تـُطرَح على بساط الحوار، وعلى طاولة النقاش. ليس من مصلحتنا، ولا مصلحة دول العالم المُحِبَّة للسلام أن تصطرع فيما بينها؛ لأجل الحُدُود.. نحن نتمسَّك فعلاً بحُدُودنا الحاليَّة كما هي من دون أن ننغمس، ونغرق في رمال الخلافات، ونجرَّ العالم إلى مزيد من الحُرُوب.. نعم، الأرض عزيزة، لكنَّ الإنسان أعزُّ، ولا ينبغي أن نهدر الدماء من أجل خلافات على هذه وعلى تلك، فبضع الدول انقسمت على الأراضي، وبعد ذلك عادت مرَّة أخرى كما في ألمانيا التي قـُسِّمت إلى شرقيَّة وغربيَّة، وجاء سور برلين حاجزاً بين شقِّ ألمانيا الغربيِّ وألمانيا الشرقيّ، وبعد ذلك هُدِمَ سور برلين، وعادت ألمانيا نابضة لكلِّ الألمان.

نحن لا نثقـِّف على الاحتلال، بل نثقـِّف على الدفاع عن الأرض، وهو دفاع عن الكرامة، ومَن يُقتـَل دفاعاً عن كرامته، وأرضه، وثروته، وعِرضه، وشرفه يمُت شهيداً.. نـُؤيِّد نزعات الاحتلال، والامتدادات على أراضي الدول، ونسعى لاحترام السيادات لكلِّ دول العالم.

نحن نستفيد من تجارب دول العالم بما فيها التشيك؛ حتى نختزل زمن الصعود؛ ففي العراق ثروات كثيرة جدّاً، ومُتعدِّدة مُجمَّدة لكنها قابلة للتحريك، وقد بدأت الآن برامج للاستفادة من هذه الإمكانيَّات، وإن شاء الله ترون العراق يستعيد مكانته التاريخيَّة في الإنتاج.

أوجِّه جزيل الشكر لهذه الندوة، وهذه الإدارة القيِّمة الكفوءة التي أعطتني فرصة لأن أطِلَّ من خلالها على ما يدور في أذهانهم من تساؤلات، كما أشكر معهد العلاقات الدوليَّة، وأشكر وزارة الخارجيَّة لهذه فرصة الطيِّبة..

أشكر لكم ذلك، وأتمنى لكم الموفقيَّة.