وزير الخارجيَّة يلقي كلمة بمُناسَبة يوم المرأة العالميِّ

2017/03/10 | المكتب الإعلامي |
258

برعاية وزير الخارجية الدكتور ابراهيم الاشيقر الجعفري اقامت لجنة المرأة في وزارة الخارجية احتفالية بمناسبة يوم المرأة العالمي في مقر الوزارة وشهدت تكريماً لعدد من المتميزات في العمل الدبلوماسيّ والاداري وعوائل الشهداء وبحضور عدد من أعضاء مجلس النواب وسفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى العراق.

قال السيد الوزير في كلمته التي القاها في الاختفالية إن الاحتفال بيوم المرأة مسؤوليَّة علينا جميعاً؛ لأنَّ المرأة مازالت رغم كلِّ الادِّعاءات التي تـُطرَح بأنها أخذت حقها، ورغم كلِّ المنظمات التي دأبت للمُطالبة بحقوق  المرأة، لكنها مازالت ترزح تحت نير الكثير من العادات والتقاليد التي تشكـِّل حاجزاً يحول دون ارتقائها على سُلـَّم الصعود نحو الأعلى، وتأخذ مكانها الذي يتناسب مع حجم العطاء التي وفرته الأم، والزوجة، والأخت، والبنت لم تزل تعاني من حالة من التخلف، بينما أعطاها الله من مواهب، ومنحها من حقوق، وبين عادات وتقاليد الأمم.. كلُّ أمم العالم من دون استثناء لم تزل بشكل أو بآخر تساهم في مأساة المرأة.. صحيح، أنَّ هناك ادِّعاءات عريضة تطالبَ بحقوق المرأة نتمنى أن نلمس شيئاً عمليّاً على الأرض.

ودعا معاليه إلى تبني ثقافة حقيقـيَّة تعطي المرأة حقـَّها، كما هي أعطت المُجتمَع حقـَّه، وتحمَّلت مسؤولـيَّتها.. فكلُّ الانتصارات التي نلحظها بالأعم الأغلب تساهم المرأة في صناعتها.. والذين تحوَّلوا إلى أطواد شامخة في جبهات القتال، وسوح الوغى خلفهم امرأة.. مازلنا نحتاج إلى جُهُود مُضنية، ومسيرة طويلة حتى نـُعيد العدل الاجتماعيَّ، والتوازن الاجتماعيَّ.. وتأخذ المرأة حِصَّتها الحقيقـيَّة عندما نطوي صفحة المُزايَدات، والتغني بالنساء من زاوية ضيِّقة، وإبراز الجمالات المعنويَّة المُتعدِّدة.

واوضح الدكتور الجعفري ان المرأة عقل يفكر، وقلب ينبض بالحُبِّ، وتصميم، وإرادة، ومُواصَلة عمل، وصبر، ومُثابَرة، وتحمُّل مسؤوليَّة في العلاقة الزوجيَّة، وفي البيت، وفي كلِّ مكان.. كلُّ واحدة من هذه جمال: جمال العقل حين تفكر، وجمال الإرادة حين تتحرَّك، وجمال السلوك حين تجسِّد ما تعتقد به، وجمال الصبر.. ولكنها تختزل بجمال واحد جمال الشكل، وجمال الجسم، وهو جمال مرحليٌّ الزمن كفيل بتبخيره، وماذا بعد الـ50، والـ60، والـ70 عاماً، لماذا يطير الرجل على كلِّ هذه الجمالات رغم تقدُّم الزمن، لكنَّ المرأة تقف عند جمال شكلها.

واكد سيادته ان وزارة الخارجيَّة قدَّمت نماذج من النساء سقطن شهيدات هنا، وقد تضمَّخن بأزكى الدماء، وقدَّمن في السلك الدبلوماسيِّ والإداريِّ والاختصاصات كافة عملاً رائعاً، وفي أيِّ مكان كنتُ أتمنى، ولاأزال أن تعبق مُؤسَّساتنا بنسبة من المُشارَكة تضاهي النسبة الاجتماعيَّة المطلوبة, مضيفاً بالقول "لاتزال المرأة نصف المُجتمَع، لكنها ليست نصف المُؤسَّسة، لايزال البون شاسعاً بين حجمها بأخذ الحقوق وبين تضحياتها بالبذل والعطاء.. هناك نظرة معرفيَّة صحيحة تـُعيد للمرأة حقها الطبيعيَّ, وان أزمة المرأة في مُجتمَعاتنا العربيَّة أزمة تقاليد، أمَّا الأزمة في الغرب فأزمة فكر.. الفكر الغربيُّ يرفض المرأة، لا يخدعونكم بالكلام، والشعارات.. ما معنى البطرياركيَّة؟.. تعني إخلاء المُؤسَّسة من العناصر النسويَّة، وجعلها للعناصر الذكوريَّة.. هذه ليس منا.. ومن المُجتمَعات مَن تحرِّم عليها طلب العلم، ومنها مَن تحرِّم الوظيفة والعمل، ومنها مَن تحرِّم ذكر اسمها.. اسمها أصبح عورة! مُجتمَع مُتخلـِّف.. نعم، نحن لدينا عادات وتقاليد ترفض المرأة، لكنَّ العادة والتقليد الزمن كفيل بإزالته".

واوضح معالي الوزير ان مُشكِلة المرأة الآن أنها استسلمت بداخلها بأنها مخلوق ثانٍ، ما لم نحرِّر المرأة من داخلها لا تستطيع أن تتحرَّر في الميادين الأخرى.. من داخل المرأة بدأت مُشكِلتها، ومن داخل المرأة يبدأ الحلُّ.. قائلاً: نحن مع صوت المرأة، ولابُدَّ أن يرتفع، ونحن مع دور المرأة، ولابُدَّ أن تأخذ طريقها، ونحن مع جمالات المرأة مادامت في إطار العفة، ومُكلـَّلة بالعلم، والأمانة.. نحن مع المرأة ونعتقد أنَّ هذه مسؤوليَّة، وعندما تصطفُّ كلُّ جُهُودنا تصطفُّ مُجتمَعاتنا جميعاً لنصرة الأمَّة؛ بهذا نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح.. أعتقد أنَّ مثل هذه الجُهُود سيُبارك الله -تعالى- بها.. والمرأة العراقـيَّة من جملة ما تميَّزت به تميَّزت هو العمل السياسيّ، وهو ليس أقلَّ شجاعة من العمل في جبهات القتال.

بدورها رحبت وكيلة وزارة الخارجية رئيسة لجنة المرأة السيدة هالة شاكر مصطفى بمعالي الوزير الدكتور ابراهيم الاشيقر الجعفري لرعايته الكريمة للحفل الذي نظمته اللجنة بمناسبة يوم المرأة العالمي والضيوف السادة النواب والسادة الوكلاء والمستشارون والسفراء والسيد المفتش العام.

والقت السيد الوكيلة كلمة بهذه المناسبة سلطت الضوء فيها على دور وتضحيات المرأة العراقية التي اعطت للحياة مباهجها فهي التي اعطت للعراقيين الكرامة وعلمتهم الشموخ وخطت طريق مستقبلهم, فهي المرأة التي قهرت الظروف القاسية وتحدت الاعصار لتبقى شامخةً شموخ نخل العراق.

واضافت السيدة هالة شاكر مصطفى قائلةً: المرأة هي العالمة أمنة الصدر(بنت الهدى) والمبدعة زها حديد وهي اول وزيرة في العالم العربي نزيهة الدليمي وهي الاعلامية وصوت الحق اطوار بهجت وشفاء كردي انها الدبلوماسية عقلية الهاشمي انهن نساء حلبجة وهن النسوة اللائي يبثثن الامل ويصنعن الحياة في مخيمات النزوح انها الصامدة والضحية نادية مراد انها الشهيدة البطلة امية جبارة هذه هي المرأة العراقية التي لم يهدأ لها بال ولم يغمض لها جفن الا بعد ان شاركت اشقاؤها واولادها في ساحات القتال وعلى خطوط النار لمواجهة داعش الارهابي".

وهنأت السيدة وكيلة الوزارة نساء العالم بالقول" هنيئاً لكل نساء العالم عيدهن مزداناً بالورود والاماني, هنيئاً لكل شهيدات العراق الحبيب عبر تاريخه الماجد, وهنيئاً لكل ام قدمت فلذة كبدها قرباناً لتراب العراق الغالي".

نص كلمة وزير الخارجيَّة بمُناسَبة يوم المرأة العالميِّ في مقرِّ وزارة الخارجيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

قال الله -تبارك وتعالى- في محكم كتابه العزيز:

((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم : 21]

نحتفل في هذا اليوم يوم المرأة.. قد يكون جديد علينا أن يُسمَّى هذا اليوم (يوم المرأة)، لكن ليس جديداً على فكرنا، وعلى تاريخنا أن تأخذ المرأة موقعها في صدارة الأمم، وفي صدارة الفكر، وفي صدارة الجهاد على أكثر من صعيد، وفوق كلِّ هذه الصدارات هي صدارة التربية، فما إن تكون أماً كأصل من الأصول التي لا يُمكِن أن يُستغنى عنها.

الاحتفال بهذا اليوم مسؤوليَّة علينا جميعاً؛ لأنَّ المرأة مازالت رغم كلِّ الادِّعاءات التي تـُطرَح بأنها أخذت حقها، ورغم كلِّ المنظمات التي دأبت للمُطالبة بحقوق  المرأة، لكنها مازالت ترزح تحت نير الكثير من العادات والتقاليد التي تشكـِّل حاجزاً يحول دون ارتقائها على سُلـَّم الصعود نحو الأعلى، وتأخذ مكانها الذي يتناسب مع حجم العطاء التي وفرته الأم، والزوجة، والأخت، والبنت لم تزل تعاني من حالة من التخلف، بينما أعطاها الله من مواهب، ومنحها من حقوق، وبين عادات وتقاليد الأمم.

كلُّ أمم العالم من دون استثناء لم تزل بشكل أو بآخر تساهم في مأساة المرأة.. صحيح، أنَّ هناك ادِّعاءات عريضة تطالبَ بحقوق المرأة نتمنى أن نلمس شيئاً عمليّاً على الأرض.

هل أخذت المرأة حقها فعلاً؟

هل تسنـَّمت موقعها بالشكل الذي يتناسب مع عطائها فعلاً؟

هل المرأة توازن المُجتمَع في تفاعله معها كما تتوازن قدراتها وإمكاناتها في داخلها؟

المرأة عقل يفكر، وقلب ينبض بالحُبِّ، وتصميم، وإرادة، ومُواصَلة عمل، وصبر، ومُثابَرة، وتحمُّل مسؤوليَّة في العلاقة الزوجيَّة، وفي البيت، وفي كلِّ مكان.. كلُّ واحدة من هذه جمال: جمال العقل حين تفكر، وجمال الإرادة حين تتحرَّك، وجمال السلوك حين تجسِّد ما تعتقد به، وجمال الصبر.

يبقى الكلام هنا هذه الجمالات المُتعدِّدة.

ما الذي أبرزته أمم العالم المُعاصِرة؟

اختزلتها بجمال واحد جمال الشكل، وجمال الجسم، وهو جمال مرحليٌّ الزمن كفيل بتبخيره، وماذا بعد الـ50، والـ60، والـ70 عاماً، لماذا يطير الرجل على كلِّ هذه الجمالات رغم تقدُّم الزمن، لكنَّ المرأة تقف عند جمالها الأوَّل، وهو جمال البدن ليس؟

لماذا هذه الثقافات التي عوَّدت المثقفين، والسينمائيِّين، والمشاهدين جميعاً أن ينظروا إلى المرأة من هذه الزاوية، ويقفوا عندها فقط؟

لماذا لا تأخذ حِصَّتها من التلقـِّي بالاحترام، والتفاعل، كما أخذ أخوها الرجل هذا الشيء؟

لماذا ينقصنا ثقافة حقيقيَّة إنسانيَّة ليست ثقافة مُزايَدات، وشعارات؟

نريد ثقافة حقيقـيَّة تعطي المرأة حقـَّها، كما هي أعطت المُجتمَع حقـَّه، وتحمَّلت مسؤولـيَّتها.

كلُّ الانتصارات التي نلحظها بالأعم الأغلب تساهم المرأة في صناعتها.. الذين تحوَّلوا إلى أطواد شامخة في جبهات القتال، وسوح الوغى خلفهم امرأة.

احترم هذه المقولة جدّاً ولطالما كرَّرتها، وهي ليست لي: "وراء كلِّ رجل عظيم امرأة".

مازلنا نحتاج إلى جُهُود مُضنية، ومسيرة طويلة حتى نـُعيد العدل الاجتماعيَّ، والتوازن الاجتماعيَّ.. تأخذ المرأة حِصَّتها الحقيقـيَّة عندما نطوي صفحة المُزايَدات، والتغني بالنساء من زاوية ضيِّقة، وإبراز الجمالات المعنويَّة المُتعدِّدة.

قدَّمت وزارة الخارجيَّة نماذج من النساء سقطن شهيدات هنا، وقد تضمَّخن بأزكى الدماء، وقدَّمن في السلك الدبلوماسيِّ والإداريِّ والاختصاصات كافة عملاً رائعاً، وفي أيِّ مكان كنتُ أتمنى، ولاأزال أن تعبق مُؤسَّساتنا بنسبة من المُشارَكة تضاهي النسبة الاجتماعيَّة المطلوبة.

لاتزال المرأة نصف المُجتمَع، لكنها ليست نصف المُؤسَّسة، لايزال البون شاسعاً بين حجمها بأخذ الحقوق وبين تضحياتها بالبذل والعطاء.. هناك نظرة معرفيَّة صحيحة تـُعيد للمرأة حقها الطبيعيَّ.

ثقافات ثلاثة تقاسمت أوساط المرأة: ثقافة العادات والتقاليد السيِّئة هناك من العادات، والتقاليد الجيِّدة، ولكن مازالت الذكوريَّة مسيطرة، ولا أستثني أمَّة من أمم العالم أبداً لا في الشرق، ولا في الغرب، ولا في الشرق الإسلاميِّ: ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)) [الزخرف : 23].

من المُجتمَعات مَن تحرِّم عليها طلب العلم، ومنها مَن تحرِّم الوظيفة والعمل، ومنها مَن تحرِّم ذكر اسمها.. اسمها أصبح عورة! مُجتمَع مُتخلـِّف.

قلتُ أكثر من مرَّة: إنَّ أزمة المرأة في مُجتمَعاتنا العربيَّة أزمة تقاليد، أمَّا الأزمة في الغرب فأزمة فكر.. الفكر الغربيُّ يرفض المرأة، لا يخدعونكم بالكلام، والشعارات.. ما معنى البطرياركيَّة؟

تعني إخلاء المُؤسَّسة من العناصر النسويَّة، وجعلها للعناصر الذكوريَّة.. هذه ليس منا.. نعم، نحن لدينا عادات وتقاليد ترفض المرأة، لكنَّ العادة والتقليد الزمن كفيل بإزالته.

الحقيقة أنَّ المرأة تصدَّرت مسيرتنا عبر التاريخ مَن يقرأ التاريخ بتمحيص أيُّ مصدر أشرف وأقدس من القرآن الكريم؟

انظروا الآيات القرآنيَّة الكريمة كيف أنَّ المرأة البنت كبنت شعيب تقول لأبيها: ((يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)) [القصص : 26]

والمرأة الزوجة كآسيا بنت مزاحم، هذه المرأة التي عانت ما عانت تتكلم بكلِّ ثقة، والمرأة صاحبة المبدأ التي تحمل فكراً، وتنقلب على العادات والتقاليد كصفيَّة الأسلميَّة كيف اتجهت، وطاردها زوجها؛ لينقضَّ عليها، ولاذت بالرسول -ص- حتى يُنقِذها منه.

عندنا نماذج رائعة جدّاً في التاريخ، وقد قدَّم الإسلام نماذج للمرأة الكاملة، وهي سيِّدة نساء العالمين السيِّدة الزهراء -ع-، وقد أجمعت كُتُب السُنـَّة والشيعة على أنَّ سيِّدات نساء العالمين أربع، وهن: "آسيا بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة الزهراء". السيدة الزهراء -ع- سيِّدتهن، كما جاء في الصحاح.. نساء طرَّزن التاريخ بحُرُوف من نور.. نحن ليس لدينا أزمة فكر، بل إنَّ فكرنا يتعامل مع المرأة، ولكن عندنا أزمة التزام، وتطبيق.. هذا الذي نعاني منه.

ننظر إلى الكثير من أرباب العوائل بمقدار ما يملكون، ويسكنون، وما يتسنـَّمون من مواقع، لكننا لم ندخل في التقييم الذي نتعامل معه، وكيف يتعامل مع المرأة.

عندما تجدون في ميادين المُواجَهة التي ينبري فيها أبطال كُثـُر من هنا وهناك أدرِكوا أنَّ خلف هؤلاء نساء، أؤكد لكم أنَّ هذه المُواجَهة الآن تذكـِّرنا بالمُواجَهات السابقة في الحُرُوب القديمة؛ لأن لو لم يكن الرجل قد أمَّن لنفسه سنداً حقيقيّاً في البيت كزوجة، وأم، وأخت، وبنت يستحيل عليه أن يُواصِل نضاله.. التاريخ يُعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة! هل تعتقدون أنَّ البطل الذي يذهب إلى جبهات القتال صنع رغبة عابرة، أو هوى في النفس، أو غفلة، أم إنه صنعه أب وأمّ، والأمُ بصورة خاصة؛ لذا أحيِّي عوائل الشهداء التي معنا في هذه القاعة، وقد كتبتُ مقالة في حينها عليهم: إن صادف أن يتسنـَّموا عرش الشهادة، والذي لفت انتباهي أنهم يتشابهون بالنظرة إلى الموت الوشيك في اللحظة الأخيرة عنفوان وكبرياء هذا النوع من الكبرياء ممدوح أن تتكبَّر على الناس، وتهين نفسك، ولكن أن تتكبَّر على الموت وأنت مُتحدٍّ أروع كبرياء، هل نظرتم إليهم ثلاثتهم الشهيد أبو بكر السامرائيّ الذي سمَّيته في المقالة (شهيد الكرامة)، وكذلك الاثنان من الشهداء الأبرار الذين على نفس الوزن، وبنفس العنفوان والتحدِّي الشهيد محمد حسن، والشهيد علي محمد يتفاوتون رُبَّما في العمر، والانحدار العائليِّ، والمنطقة الجغرافيَّة، وبالثقافة، والتخصُّص، لكنهم لا يتفاوتون بالإرادة.

هؤلاء الشهداء فضلهم لن يُنسى.. تبقى الأمم دائماً مَدِينة لشهدائها؛ لأنَّ مهما قدَّم من عطاء فلا يصل إلى العطاء الذي يبلغ التضحية بالنفس؛ التضحية بالنفس أروع، وأعلى، وأغلى أنواع العطاء؛ لذا صدق الشاعر عندما قال:

يجود بالنفس أن ظن الجواد بها      والجود بالنفس أقصى غاية الجود

أقصى شيء يُقدِّمه الإنسان هو أن يُقدِّم حياته؛ لذا يجب أن نقف وقفة احترام وتقدير لكلِّ عائلة ساهمت في بناء أبنائها، ودفعتهم إلى جبهات القتال؛ لنصر الحقِّ على الباطل، ولم تدفعهم لكي يُشيعوا ثقافة الموت، ولم تدفعهم لأن ينهزموا أمام كلِّ أحد، يُؤثِرون الموت والقتل دفاعاً عن الكرامة، وعن حقوق الإنسان، هؤلاء تجمعهم هُويَّة واحدة، وهي القتل في سبيل الله.. الإنسان ميِّت لا محالة، ومَن لم يمُت بالسيف مات بغيره تعدَّدت الأسباب والموت واحد.

لقـَّن هؤلاء الآخرين درساً، بأنك ترتجف عندما تسمع بالموت، وترى صورة القتيل، والآخر يعشق الشهادة، و يبحث عنها.. هؤلاء الأبطال دُرُوس..

صحيح أنَّ كلاً بخطابه، وقلمه، وماله، ومسؤوليته ساهم في العطاء إلا أنَّ الذي حفظ العراق من الانهيار هو عطاء الشهيد.. لا مثيل لعطاء الشهيد.. الأمم الحيَّة عندما تذكرهم تذكر نبلهم، وتضحياتهم، وتذكر علمهم.. فكـِّروا بالشهيد مرَّة عندما كان حيّاً، واقرأوا الشهيد عندما انتقل إلى رحمة الله، وانظروا إليه مرة أخرى، وتأملوا به.

مَن الذي أنتج الشهيد، وصنع الشهيد؟

الشهيد له صُنـَّاع، فكر، وأب، وأمّ.. ما جاء اعتباطاً.

كيف حظي بهذا المقام، وكيف ترفـَّع عن كلِّ ترهات الدنيا غير مهزوم أمام التحدِّي، وإنما عاشق لهذه الدنيا بالقدر الذي يُعزِّز بها موقعه في الآخرة.. يبني بلداً، وشعباً، وحضارة، ويُقدِّم أغلى ما عنده، وهو روحه.

اقرأوا هؤلاء جيِّداً، وكيف عبَّروا عن الذي أنتجهم، وما الثقافة التي تثقفوا عليها، ومن الأبوان اللذان ساهما في تربيتهم، ومن المعلم الذي دفعهم إلى هذا، ومَن الصديق الذي تبادَلَ معهم الثقافة، ثم انظروا إلى إنتاج الشهيد.

انظر مرَّة إلى مُنتِج الشهيد، ومرَّة أخرى إلى مُنتـَج الشهيد من ابن وبيت، وكتاب، وفكر، ولوحة فنية.. هؤلاء تنفـَّسوا في بيت الشهيد..

لا تنسوهم..

أمم العالم قد تنسى الكثير من رجالاتها، وشخصيَّاتها، ولكن لا تنسى أبداً الذين سقطوا مُضرَّجين بدمائهم.. فرنسا من عام 1429 تذكر جان دارك عذراء أورليان من القرن الخامس عشر..

لا ينبغي لأيِّ أمّة أن تنسى شهداءها؛ الأمَّة التي تنسى شهداءها لا تستحقُّ الحياة..

هل يُقدِّم لك الطبيب، أو المهندس، أو التاجر مثلما يُقدِّم لك الشهيد إذ يُضحِّي بروحه؛ حتى يحفظ كرامتك، ومستقبلك، ويصون مصيرك من الدمار؛ لذا يجب أن نقف دائماً عندما نعيش ذكرى الشهداء أن نعيشهم بكلِّ وجداننا.

مع وُقوفنا في هذا اليوم على مسألة يوم المرأة.. يوم المرأة رُبَّما يعود تاريخه في المشهور إلى 1907 أو إلى 1908 لكنه بالحقيقة 1856 أعيد مرة أخرى على مسرح نيويورك عندما خرجت مجموعة من النساء يُطالِبن بحقوقهن منذ ذلك الوقت.

مع ذلك لاتزال المرأة ما بين انطلقت إلى اليوم تواصِل نضالها لتصل إلى ما وصلت إليه، وأقول لكم بكل صراحة: يتفاوت الشهداء في جنسيَّاتهم، وفي محالِّ سكنهم، وفي اختصاصهم، لكنهم لا يتفاوتون في شجاعتهم الفائقة في تقديم كلِّ ما لديهم من أجل نصر الحقيقة.. هناك تميُّز بالمرأة، بل أكثر من تميُّز ثقافيّ رائع تـُحترَم عليه، وتميُّز وظيفيّ، وتميُّز معنويّ لا يقف عند حُدُود الجسم، وتميُّز نفسيّ، وهو عدم الانكسار مع هذه الحالات التي تراها.

أتذكر إحدى السيِّدات، ولاتزال على قيد الحياة من إحدى محافظات الجنوب قدَّمت ستة من أبنائها شهداء، وبقيت كالطود الشامخ سمَّيتها (أم البنين الثانية)، وعندما قابلتني.. لدينا خزين من السيِّدات، ومن مُختلِف الشرائح؛ إذن هؤلاء الشهداء خُصُوصاً النساء منهم أروع ما يُمكِن أن يسري في عُرُوقنا، ويُقدِّم دماً مُشترَكاً يعلو على الاختلافات الفكريَّة، والطائفيَّة، والعنصريَّة، والقوميَّة والمناطقيَّة..

يتصاغر الإنسان أمام هؤلاء..

ماذا تعتقدون هل أنَّه حين أقدم على الشهادة بإرادته، ووقف أمام حبل المشنقة، ويهزأ منه، ولا يهتزُّ منه يُريد أن ينتصر لعشيرته؟!

هذا تعلق بأسرار النصر الحقيقيِّ المُنبعِث من داخله، والمرتبط بالله؛ لذا هان عليه أن يُقدِّم حياته من أجل هذا الشيء.

المرأة اليوم تتميَّز بعِدَّة أشياء، ونحن نفخر، ونعتز أنَّ المرأة العراقـيَّة من جملة ما تميَّزت به تميَّزت هو العمل السياسيّ، وهو ليس أقلَّ شجاعة من العمل في جبهات القتال.. نحتاج الشجاعة في جبهات القتال، ونحتاج الشجاع في العمل السياسيِّ، والدبلوماسيِّ، ونحتاج الشجاع الذي لا يكون رخيصاً أمام الأحمر الرنان، ولا يُشترى، ولا يجبن أمام الإرادات الأخرى، ولا يتهدَّد بأحد، ولا يتمسَّك بمقعد، وهو غير كفوء لملئه، ولا يضيق ذرعاً من أيِّ إنسان يراه كفوءاً، ويصعد، ويرتقي على سُلـَّم التكامل، ويضع حجراً في طريقه.

كلُّ هذه ناشئة من ضعف النفس، والشهيد يتسامى على كلِّ ذلك.. الشهيد صرخة تدوِّي في كلِّ حقل من الحقول؛ حتى تتردَّد صداها، وتنشئ أجيالاً جديدة.

جيِّد أن نُحيي يوم المرأة، ولكن ماذا نُحيي من يوم المرأة؟

ماذا عملنا للنساء؟

ماذا قدَّمنا للمرأة؟

نحن نرى شعارات كبيرة، لكنَّ الواقع مُتراجع مُتدنٍّ.. رأيتم لينا القاسم ماذا عملت -كتبتُ عليها رسالة في وقتها- لينا القاسم امرأة فلسطينيَّة ابنها المجرم عارف علي، قالت له: بني اترك درعا، واتجه إلى بلدة أخرى، وابدأ صفحة جديدة، واترك داعش.. ما كان منه إلا أن يشهر مُسدَّسه، ويُطلق عليها بصدرها إطلاقتين، فقتلها.

هل هذا هو العالم الجديد؟

ما الذي حصل في العالم، وما هذه الثقافة الجديدة التي تجعل الإنسان يُقدِم على عمل لا يقوم به الحيوان؟

لم يُحدِّثنا التاريخ أنَّ حيواناً يقتل ابنه، ويقتل أباه.

رأيت صورة، وأحتفظ بها في الهاتف خمسة من المجرمين يقتلون أبناءهم.. أنا لم أرَ هكذا ثقافة، ولم أسمع بها.. المعروف أنَّ الإنسان رُبَّما يستطيع أن يُقاوم التحدِّي لنفسه، لكنه لا يستطيع مُقاوَمة التحدِّي عندما يصبُّ على أبنائه.. أتذكر قِصَّة في العصر الأمويِّ، أو العباسيّ: ضربوا أحد الأشخاص على ظهره الكثير الكثير، وأرادوا منه اعترافاً، وما أعطى، ثم قالوا: آتوا بابنه اضربوه أمامه.. بمُجرَّد أن أرادوا ضربه قال: ما تريد أعطيك.. قالوا: أنت قبل قليل تقاوم الضرب كلـَّه لماذا الآن؟ قال: كنتم تضربون على جلدي، وأمَّا الآن فأنتم تضربون على قلبي.

أرجو من كلِّ مثقف يحترم عقله أن ينظر إلى هذا الفكر الذي يأتي بهكذا مُمارَسة ألم يحِن الوقت لأن نعيد النظر بالأفكار التي استوردناها، وأخذناها برُدُود فعل، وننشئ فكراً فاعلاً مُبادِراً؟

هذه هي صناعة الأفكار التي جاءتنا من الغرب ومن الشرق هي التي تجعل الإنسان يقتل أمَّه، وتجعل الأب يقتل ابنه..

لنـُحاكِم الفكر، ونقيِّمه على ضوء المُمارَسة.. هؤلاء بنوا نظريتهم على بثِّ الرعب، والترويع.

هو يُريد بثَّ الرعب والفزع، وسلب الأمن من الناس جميعاً، ويُحوِّل الحياة إلى غابة وحشة.

لماذا الترويع بالضحيَّة، وينشرون صُوَرَها؟

انظروا كم الفرق بين رجل يتقدَّم إلى ساحة المعركة واثق الخطى يمشي غير مُهتزٍّ، ولا ينظر إلى الخلف حتى يتراجع لأنه توجَد زوجة تدفعه، وبين رجل يذهب إلى  الجبهة وتبكي وراءه، وتقول له ارجع.

عندما نريد أن نحيي المرأة في يومها علينا أن نتلمس مُكوِّناتها الحقيقـيَّة، وإرادتها الحقيقـيَّة، وفكرها، وعاطفتها الرائعة المُوشَّحة بالإرادة الباعثة على العمل، ولا تجعل الواحد يتردَّد، ولا تنكسر؛ لأنـَّها فقدت بعضاً من عمرها، خيَّم عليها البؤس، والكآبة لا لشيء إلا لأنها فقدت نضارة الشباب.

علينا أن لا نختزل المرأة بجمال البدن بل هناك جمال العقل، وجمال الإرادة، وجمال الإنتاج، وجمال الخطاب، وجمال الإيثار، وجمال الصبر.. علينا أن لا نختزل هذه الجمالات بجمال واحد.

انظروا إلى التلفزيونات الأجنبيَّة، وكيف يُقدِّمون المرأة..

ثقفنا الناس على أنَّ الرجل يبقى جميلاً مهما كبر سنـُّه، وثقفناهم على أنَّ فلاناً وإن كان فهو جميل؛ لأنه طه حسين، أو محمد مهدي البصير، وحتى إذا بلغ عمره ما بلغ يبقى جميلاً بنظر الناس، ولكننا لم نثقف الناس على جمال المرأة المتكلمة.. توجَد حالات جدّاً استثنائيَّة مثل هيلين كلر 1880 إلى 1966، أي: إنَّ عمرها 86 سنة كانت فاقدة البصر، والسمع أدركوها في السنة الثالثة؛ لأنه دائماً من الناحية الطبية مَن يفقد سمعه قبل السنتين يفقد نطقه كذلك، فعلـَّموها بعدها فقدت السمع.. هذه المرأة كانت خطيبة مُفوَّهة، وتخطب من بلد إلى آخر، ولديها أربع شهادات دكتوراه، وذات إرادة قويَّة.

المرأة تستطيع ذلك، ولكنّ مُشكِلة المرأة الآن أنها استسلمت بداخلها بأنها مخلوق ثانٍ، ما لم نحرِّر المرأة من داخلها لا تستطيع أن تتحرَّر في الميادين الأخرى.

من داخل المرأة بدأت مُشكِلتها، ومن داخل المرأة يبدأ الحلُّ.

المقياس هو حُمُولة الفكر، والقِيَم، والوفاء، لا حُمُولة العضلات.. الكثير من النساء عُرِض عليهنَّ أشياء كُثُر، ولكنهنَّ لم يخُنَّ الأمانة، هناك معيار قرآني: ((يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)) [القصص : 26]

هذه قالتها امرأة تتحدَّث مع نبيٍّ، وهو أبوها شُعَيب -ع-.

نحن مع صوت المرأة، ولابُدَّ أن يرتفع، ونحن مع دور المرأة، ولابُدَّ أن تأخذ طريقها، ونحن مع جمالات المرأة مادامت في إطار العفة، ومُكلـَّلة بالعلم، والأمانة.. نحن مع المرأة ونعتقد أنَّ هذه مسؤوليَّة، وعندما تصطفُّ كلُّ جُهُودنا تصطفُّ مُجتمَعاتنا جميعاً لنصرة الأمَّة؛ بهذا نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح.. أعتقد أنَّ مثل هذه الجُهُود سيُبارك الله -تعالى- بها.

تحياتي لكلِّ امرأة، ولكلِّ شهيداتنا، ولكلِّ الشهيدات المُعاصِرات آمنة الصدر، والشهيدة هناء الهاشميّ في وزارة الخارجيَّة، والشهيدات الأخريات سدخان السيِّدة في البصرة التي قدَّمت موقفاً رائعاً، وفي الموصل هناك نساء شهيدات كثيرات تزدان أزقة الموصل بصُوَرهن.

تحيَّة لهم جميعاً، وتعازينا إلى آباء وأمهات الشهداء، ونعتقد أنهم ينبغي أن يرفعوا رؤوسهم عالياً، ويُبرهِنوا للعالم أنَّ الذي أنتج الشهيد يفخر بأنه أبو شهيد، وأمّ شهيد..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.