كلمة وزير الخارجيَّة والندوة النقاشية في الجامعة الأميركيّة في دهوك

2017/04/13 | المكتب الإعلامي |
1506

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

رُبَّما سأبدأ هذا الحديث، أو هذه المُحاضَرة بطريقة لم تكن في يوم من الأيَّام في بالي أن أبدأ بها؛ لأني فـُوجـِئت بشيء ما كنتُ أحتمله ليس فقط المُفاجأة بتغيير العنوان، ولا بتغيير السياق، وإنـَّما الذي تناهى إلى سمعي أن فـُوجـِئت من السيِّد فرهاد الأتروشي محافظ دهوك وأنا أكنُّ له كلَّ التقدير والاحترام، واعتبره ابني؛ لأنه هو بعمر ابني، وهو يتكلم بأمور ليست صحيحة، ويُرسلها إرسال المُسلـَّمات.. كان يجب عليه أن يتأنـَّى، ويتأكـَّد من أنَّ هذه موجودة أم لا.

يُشرِّفني أني ما تركتُ منبراً من منابر العالم إلا وصدحت بمأساة الكرد، ومأساة حلبجة والأنفال، وأنا لستُ كرديّاً، ولكني أخ مُخلِص، وصادق للكرد، كما أنني أخ مُخلِص، وصادق للعرب، وللتركمان.

كلماتي من مُنتدى إلى آخر مُدوَّنة، ومبثوثة في الفضائيَّات، وأتحدّى مَن ينقض كلامي في مكان واحد يُساء إلى الكرد، ولم أدافع عنهم، بل عندما أعدِّد الجرائم التي ارتـُكِبت في العراق إلا وأضع الجرائم البشعة في حلبجة والأنفال أوَّل الجرائم.. هذا شيء يُشرِّفني، وأنا لا أفعل هذا الشيء؛ ليقول لي أحد: شكراً..

إذا لديكم أصدقاء في الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبيّ، أو جامعة الدول العربيَّة، أو في المحافظات العراقية اسألوهم هل يُوجَد خطاب لم أُشِرْ فيه إلى الجرائم البشعة التي ارتـُكِبت بحقِّ الكرد.. هذه ليست مِنـَّة على الكرد هذا حقهم الطبيعيّ صدام حسين مُجرم أجرم بحقِّ الكرد، وأجرم بحقِّ العرب السُنـَّة، والشيعة، وبحقِّ الإيزديَّة، وبحقِّ الصابئة.. خلفيَّـتي القوميَّة عربيّ، وأنا أتحدِّث باسم الجميع، وكثير من أخواني، وأصدقائي من السادة الوزراء، والأخ رئيس الوزراء يتحدَّثون عن هذه المآسي.. عليكم أن تتابعوا؛ لتعرفوا أصدقاءكم، وأحباءكم، وإخوانكم..

عندما أتكلم أضع أمامي حلبجة والأنفال قبل أن أذكر الانتفاضة الشعبانيَّة، وانتفاضة الأنبار لمحمد مظلوم.. قبل بضعة أيَّام كنت في لقاء مع وزير خارجيَّة إحدى الدول الأوروبيَّة سأل عن الموقف من الكيمياويّ الذي استـُخدِم في سورية، فأرجعته إلى حلبجة، وقلتُ له: متى سمعتَ بجرائم حلبجة التي ارتكبها صدام حسين وعلي كيمياوي؟ سمعتـَها عام 2003 أليس كذلك؟

قال: نعم.. قلتُ له: هي حدثت سنة 1988، ومتى عرفتم أنَّ المُجرِم الحقيقيَّ ليس إيران، وأنَّ الذي ضرب حلبجة هو علي كيمياويّ؟

عرفتم بعد 15 سنة من 1988 إلى 2003 نحن في عالم يجب أن نـُنقـِّب عن الحقيقة، ونعرفها، ونعرف العدوَّ من الصديق.

شرف لي أن أدافع عن الكرد، وليس مِنـَّة عليهم، هذا واجبي، وإذا لم أتكلم فمَن يتكلم، ألا يذكر الكرد الانتفاضة الشعبانيَّة..

أين عقدنا المُؤتمَر، ارجعوا إلى تاريخكم عام 1993؟

في كردستان عُقِدَ مُؤتمَر المُعارَضة العراقـيَّة، وتحدَّثنا عمَّا حصل في عام 1991 في الانتفاضة الشعبانيَّة، نحن شعب متآخٍ.. العرب يذكرون الكرد، والكرد يذكرون العرب، والسُنـَّة يذكرون الشيعة، والشيعة يذكرون السُنـَّة.. تأكـَّد لي اليوم على ضرورة اختيار موضوعي الأوَّل، وهو مشروع الدولة.

نحن عندنا دولة، وكان سابقاً في زمن صدام عندنا دولة الرجل الواحد.. صدام حسين رئيس الجمهوريَّة، صدام حسين القائد العام للقوات المسلحة، صدام حسين مسؤول حزب البعث، صدام حسين مُنظـِّر حزب البعث، وكلُّ شيء هو صدام حسين، أمَّا الآن فلدينا دولة جديدة نتعاطى، ونتكيَّف، ونتعايش مع بعضنا، ويجب أن نـُحافِظ عليها.

صدام حسين ما كان عنده مشروع دولة، وإنما عنده مشروع رجل أخذ كلَّ الصلاحيَّات، وقد كان مشروعنا في المُعارَضة العراقيَّة ينطوي على نقطتين، الأولى: المُعارَضة، والاستمرار بالنضال ضدَّ صدام حسين حتى إسقاطه، وأيُّ أحد لا يُؤمِن بإسقاط صدام حسين ليس معارضاً.. هكذا كنا في المُعارَضة.

في المُؤتمَر الوطنيِّ، والمُؤتمَرات التي سبقته كنا كلـُّنا ندور حول موضوع النضال والاستمرار في النضال حتى إسقاط صدام حسين.

النقطة الثانية: البديل عن ذلك هو الانتخابات، وصناديق الاقتراع، وقد تحقـَّق ذلك..

لنرَ ماذا أنجزنا من مشروع الدولة، وماذا بقي علينا أن نعمله.. الأمم الحيَّة هكذا تكون، ولا تتوقـَّف أبداً..

العراق اليوم فيه ديمقراطيَّة منذ عام 2003 إلى الآن أُجرِيَت مواسم انتخابات مُتعدِّدة، وكان عام 2005 عام المواسم الانتخابيَّة انتخاب الجمعيَّة الوطنيَّة، وإقرار الدستور في سنة واحدة، وكنتُ في رئاسة الوزراء.

حققنا مشروع فيدراليّة شئنا أم أبينا تـُوجَد حالة فيدراليَّة، وإدارات محليَّة، وشاركت المرأة في العمليَّة السياسيَّة في بلد ليس من السهل أن يتقـبَّلوا المرأة أن تنتخب، ليس عندنا فقط، بل حتى في الدول الغربيَّة.. الآن بدأت الدول الغربيَّة تعطي فرصة للمرأة أن تصوِّت.. ففي أميركا المرأة صوَّتت عام 1919 في زمن ولسن، ومارَستها عمليّاً عام 1924، وفي بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا عام 1925، وفي سويسرا عام 1975.

العراق منذ أن سقط الدكتاتور إلى الآن والمرأة تشارك في الانتخابات وتـُصوِّت، وتـُرشِّح، وهي الآن بحجم 82 سيِّدة في البرلمان العراقيِّ من مُختلِف مناطق العراق، وفي الحكومة الانتقاليَّة الثانية التي شكـَّلتـُها عام 2005 جئتُ بست سيِّدات وزيرات، أربع منهنَّ من السيِّدات الكرديَّات في الحكومة الاتحاديَّة في بلد في منطقة بالشرق الأوسط بعيدة كلَّ البُعد عن هذه المُمارَسة.

حُرِّية التعبير عن الرأي.. كان العراقيُّ لا يستطيع أن ينتقد صدام حسين، ولم تكن هناك حُرِّية في الصحافة والإعلام، أمَّا الآن فيتكلم كيف يشاء، ويخرج في تظاهرة، ويتكلم على أكبر مسؤول في الدولة.

يجب أن نذكر ما أفرزه مشروع الدولة العراقيّة الجديد.. هذه حقيقة لا تنسوها..

حدث على مسرح كردستان الكيمياويّ الذي استـُخدِم، والأنفال، ولم تكن بقـيَّة  المناطق أحسن حالًا فالانتفاضة الشعبانيَّة تسبَّبت بقتل 365 ألف مُواطِن عراقيّ من الشيعة في الوسط والجنوب دُفِنوا وهم أحياء في مقابر جماعيَّة، وكذلك في الأنبار ثورة المرحوم محمد مظلوم قـُتِل منهم من قـُتِل.. فنحن عبرنا مرحلة المُعارَضة بالدم، والعناء، وجمَّدنا كلَّ الخلافات، وعملنا من أجل إسقاط الديكتاتور، واختيار النظام التعدُّديِّ الفيدراليِّ البديل، وشرعنا فيه.. نعم، تحتاجون وقتاً، وهناك مُلاحَظات على التجربة، ولكن هناك إنجازات على الأرض رغم كلِّ التحدِّيات التي نواجهها، واجهنا تحدِّي الإرهاب منذ سقوط النظام المقبور يُفخخ في كلِّ المناطق لإعاقة التجربة، وإشاعة ثقافة التفجير والقتل والتبضيع والتمثيل بالمواطنين مع ذلك صمَّم شعبنا أن يُقيم الدولة، وأقامها.

المشهد المُتنوِّع الموجود في العراق الآن موجود في الحكومة، والبرلمان، والإعلام موجود في مرافق الدولة كافة.. هذه حقيقة على الأرض يجب أن تقرأوها الآن، فلم يعُد الكرديُّ يُدافِع عن حقه فالعربيّ يشعر أنَّه مسؤول عن الدفاع عنه، والعربيّ لا يشعر أنَّه وحده مسوؤل عن الدفاع عن نفسه، فالكردي يقف إلى جانبه، والاثنان يقفان إلى جانب السنيّ، والثلاثة يقفون إلى جانب الصابئيِّ، والإيزديّ، وهذه المحنة التي تعرَّض لها الإيزديَّة في سنجار لم أدع أيَّ منبر من منابر العالم إلا وتحدَّثتُ عنها.

إذا أنتم لم تـُتابعوه فهذا خطأ يعود لكم، اذهبوا عالجوه، وادخلوا إلى المواقع بتواريخها، وانظروا ماذا عملنا في العالم، فقد وضعناه أمام مسؤوليَّـته بالأسماء، والأرقام، وبكلِّ شيء.. أرجو أن نقرأ تاريخنا من خلال دماء شهدائنا.

هل سألتم أنفسكم: لما يُقتـَل من البيشمركة، ومن الشيعة من الحشد الشعبيّ، وغيره سُنـَّة وشيعة في الأنبار، والموصل، وهم ليسوا من أهلها؟

ما الذي جعلهم يُستشهَدون؟

صُوَرَ الشهداء في البصرة مُعلـَّقة على الجدران بأعداد كبيرة جدّاً، فلنذكر هؤلاء.

التاريخ سوف يُحاسِبنا.. الشهداء ذهبوا، لكنَّ أيتام الشهداء، وأرامل الشهداء، وثكالى الشهداء من الآباء والأمهات بقوا أمانة في أعناقنا.. أنا لستُ كرديّاً، لكن الذي حدث في حلبجة يقطع نياط قلبي.. هذا الفلم الذي نـُشِرَ في وقتها، وكيف أنَّ العالم كان غافلاً، أو مُتغافِلاً عمَّا حصل في حلبجة والأنفال.. أرجو أن لا نـُضيِّق العراق بتكتل اجتماعيّ واحد.. كلُّ العراق لكلِّ العراقيِّين.

نحن الآن نتبنى مشروعاً لإدانة الفكر الإرهابيِّ، واعتبار الإرهاب فكريّاً مُداناً، وليس الجرائم الإرهابيَّة فقط؛ لذا عندما طرح السيِّد وزير خارجيَّة بريطانيا عليَّ فكرة إدانة الفكر الإرهابيِّ، واعتباره جريمة رحَّبتُ به، وقلتُ له: نحن طرحناه قبلكم في الجامعة العربيَّة، وما لاقى استجابة، لكننا نتمنى أن يُدان الفكر الإرهابيُّ كفكر إرهابيٍّ، وليس العمليَّات الإرهابيَّة فقط مثلما أُدِيْنَت النازيّة، والفاشيّة في ألمانيا، وإيطاليا وتخلـَّص العالم من خطرهما، إذ كلـَّفوا العالم 55 مليون إنسان ضحيَّة في الحرب العالميَّة الثانية.

نحن نتطلع إلى إقصاء هذا الفكر، وإشاعة الفكر الإنسانيِّ العامِّ الذي أحد مظاهره الديمقراطيَّة، والفدراليَّة..

نحن كشيعة، وكرد كنا في المُعارَضة، وقدَّمنا ضحايا من سُجُون، وقتول، وإبادة، ومقابر جماعيَّة، وكيمياويّ، والسُنـَّة -أيضاً- مظلومون فصدام حسين يدَّعي أنه سُنيّ، ولكنه ما مثـَّل السُنـَّة في جرائمه؛ لأنه ارتكب جرائم بحقهم، وصحيح أنه ارتكب جرائم ضدَّ الكرد، لكنه ما مثـَّل العرب؛ لأنه ارتكب جرائم ضدَّ العرب.

 جَعْلُ الفكر في حيِّز ضيِّق -لا سمح الله- قد يُوحي ولو عن غير قصد بأننا صرنا أمام تلك الحالة، ولسنا في معرض مشروع دولة.. نحن نـُريد مشروع دولة تقوم على أساس أرض، وسيادة شعب، وقانون، وحكومة.

العراق منذ قديم الزمان كان عنده مشروع دولة.. تقرأون، أو تسمعون عن سرجون الأكديّ 2230 سنة قبل ميلاد السيد المسيح، أي قبل: 4250 سنة قال: مَن يحكم قـُبَّة العالم -يُؤشِّر على بغداد- يتحكـَّم برياحها الأربعة.

نحن مُتمسِّكون بوطنيتنا العراقية، وبنسيجنا المُجتمَعيِّ، ونـُقدِّم العراقـيَّة؛ لأنها بيت شامل لكلِّ العراقيِّين العربيِّ منهم، والكرديِّ، والتركمانيّ، والإيزديّ، والصابئيّ.

أكبر دولة في العالم هي دولة فدرالية، وهي أميركا، فيها 50 ولاية، وهذه أقوى دولة في العالم؛ لأنها مُتوحِّدة، وسادت الآن في العالم.

الفدراليَّة لا تعني إضعاف الثقة، بل تعني تعزيز الثقة -وهي كلمة لاتينيَّة- عندما تضعف الثقة في المُجتمَعات المُتعدِّدة التكوين يأتي النظام الفدراليِّ، فيُعزِّز الثقة بين مُكوِّنات الشعب.

أربع عشرة سنة مضت منذ عام 2003 إلى الآن ما الذي حققناه، وما الذي بقي؟

تـُوجَد أشياء جيِّدة، ولكن هناك تحدِّيات في طريقنا، يُوجَد إرهاب يستهدفنا جميعاً، الإرهاب ما فرَّق بين عربيّ، وكرديّ، وتركمانيّ، وإيزديّ، وصابئيّ، وكان ردُّ الفعل على الإرهاب بحجم التنوُّع، وحققنا إنجازات بهرت العالم، وجعلته يحترمنا.

عندنا معركة ضدَّ الفساد الماليِّ، والفساد الإداريِّ، والمُحاصَصة السيِّئة الصيت، والوضع الاقتصاديّ السيِّئ.

لدينا الآن علاقات في مُنتهى الانسجام مع كلِّ دول الجوار الجغرافيِّ، حتى تركيا التي دخلت في أراضينا دخلت، فرفعنا إلى الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة، وما عملنا أيَّ شيء آخر، ولاتزال السفارة التركيَّة في بغداد مفتوحة؛ هذا بفضل النظام الجديد.

العراق اليوم -الحمد لله- يتمتع بمكانة مُمتازة في دول العالم.. ماذا يعني 173 دولة من سنوات القطيعة تـُصوِّت للعراق حتى يتسنم موقع حقوق الإنسان، ويكون نائباً في منظمة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة؟

ماذا يعني 488 عضواً من البرلمان الأوروبي يُصوِّتون للعراق؟

هذا عالم جديد ينفتح على العراق، ويتقبَّل العراق.

ماذا تعني هذه أموال المُساعَدات التي تأتينا؟

ما سِرُّ الانتصارات ضدَّ داعش؟

سرُّ الانتصارات في أربع كلمات: وحدة كلمة الشعب العراقيِّ سياسيّاً، ووحدة الجُهُود والتكتلات المُسلـَّحة التي استهدفت الردَّ على داعش من البيشمركة، والحشد الشعبيِّ، والجيش، وكلّ المُكوِّنات.. والمرجعيَّات الدينيَّة التي وقفت موقفاً مُشرِّفاً مُبارَكاً، وحثت الشعب على أن يُسنِدَ الحكومة في مُواجَهة الدواعش، والتحالف الدوليّ الذي شكـَّل مظلة، وساعَدَ، ودَرَّب، وأعطى مُساعَدات، ووفـَّر معلومات استخباريَّة.

العالم كلـُّه مُنبهر بما يتحقق من انتصارات..

إخواني.. نحن لا نـُنكِر وُجُود أخطاء في التجربة، ولا نـُريد جمهوريَّة أفلاطون المثاليَّة -إذا تسبَّب حجر بجرح مُواطِن تـُرمَى كلُّ الأحجار المُشابـِهة خارج جمهوريَّة أفلاطون- هذا كلام خياليّ.

وأنتم في الجامعة اتجهوا بالاتجاه الواقعيِّ في العمل السياسيِّ، لا الاتجاه الخياليّ. أعتقد أن البلد دائماً بحاجة إلى قادة، وليس إلى رؤساء فقط؛ فالرئيس يأتي به شعبه إلى الأمام، وإذا انتهت دورة الرئاسة يُنسى، وأمَّا القائد فهو الذي يأتي بشعبه إلى الأمام، ويموت القائد، ولا تموت قيادته، بل تبقى عبر التاريخ.. إلى الآن يُقال: غاندي، ويُقال ديغول، ويُقال لنكولن؛ لأنهم فرضوا أنفسهم على التاريخ.

أرجو أن نـُشيع ثقافة النصر الصحيح، وليس الخياليّ، وأرجو أن نـُعمِّق العلاقة بين مُكوِّناتنا، ونـُوحِّد خطابنا السياسيَّ، ونتوجَّه للإعمار والبناء.. حان الوقت لأن نبني العراق، ونـُعيد الابتسامة إلى المُدُن.. عندما رأيتُ دهوك اليوم مُلِئتُ غبطة، وسُرُوراً بهذه السعة، وهذا الإعمار.. ابتسامتها جميلة، مثلما أرى بقـيَّة المُدُن، ويجب أن نتمنى أن تعود هذه الابتسامة إلى كلِّ المُدُن، بل كلِّ بلدان العالم.

الذي يحبُّ الإنسان يحبُّ له كلَّ الخير.. ليس لدينا قِيَم وحشيَّة نازيَّة، بل نحن شعب يحبُّ الخير لنفسه، ويحبُّ الخير للبقـيَّة؛ لذا لا ينبغي أن نتراجع، أو نتردَّد في أن نستمرَّ في مصالحتنا الوطنيَّة، والانفتاح السياسيِّ على العالم.

العالم الآن يُظهر وِدّاً، وتجاوباً مُمتازاً مع العراقـيِّين، ويُساعِد العراق، ونحن نشكرهم دائما، ونتمنى أن تقف دول العالم إلى جانبنا بعد الانتهاء من معارك التحرير، ونـُعِدَّ العُدَّة، فليس سهلاً إعادة إعمار الموصل، والأنبار، وصلاح الدين؛ فهذه يُراد لها مُوازَنة ضخمة، ونـُذكـِّرهم دائماً بمشروع مارشال.

دعونا نـُوحِّد جُهُودنا، ونـُوحِّد كلماتنا؛ حتى نـُسمِع العالم خطاباً مُشترَكاً بأنَّ العراق أخذ على عاتقه بذل الدم من أجل الدفاع عن كلِّ دولكم؛ لأنَّ داعش ليست خطراً على العراق فقط، بل هي خطر على كلِّ العالم.. داعش لم تبدأ بالعراق، ولن تنتهي بالعراق؛ فنحن نـُدافِع الآن نيابة عن العالم، نـُدافِع بعربنا، وكردنا، وتركماننا، مُسلِمينا، مسيحيينا، إيزديِّينا، صابئتنا.

دعونا نتكلم بهذا الصوت؛ حتى نكسب وِدَّ العالم، وثقته.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

 

وإلى حضراتكم النص الكامل الندوة النقاشية للدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة العراقيـَّة في الجامعة الأميركيّة في دهوك

  • ما الذي يجعلك مُطمئِناً من أنَّ الفيدرليَّة يُمكِن أن تـُوحِّد العراق؟

الجعفريّ: أعتقد أنَّ الفيدراليَّة نـُظـِّر لها منذ أوَّل تجارب الدول الديمقراطيَّة.. نعم، لا تـُوجَد فيدراليَّة لم تسبقها ديمقراطيَّة؛ لذا عندما اختلفنا عام 1993 على مسألة حسم القضيَّة الفيدراليَّة في كردستان، وجرى نقاش كثير، ونحن مازلنا محكومين بدكتاتوريّة صدام حسين كيف نـُقرِّر فيدراليَّة، ومازلنا مُعارَضة، ولايزال النظام في قبضة الدكتاتوريَّة، فاختارني الإخوان في مُؤتمَر صلاح الدين أن أصوغ العبارة بعد أن اختارها برلمان كردستان، ومازالت في بالي، ووافق عليها الجميع، وفي وقتها كان الأخ جلال طالباني حيويّاً، ونشطاً، وألقى خطاباً.

نحن في الوقت الذي نبارك للبرلمان المحليِّ في كردستان اختيار الفيدراليَّة نعدُّ مسألة الحسم النهائيِّ عندما يسقط النظام الدكتاتوريّ، وتتحقق الديمقراطيَّة، وحتى يكون قرار اختيار الفيدراليّة بطريقة ديمقراطيَّة..

أتصوَّر أنَّ الفيدراليَّة تـُوحِّد، ولا تـُفرِّق.. أكبر دولة في العالم هي الولايات المتحدة الأميركية، وهي دولة فيدراليَّة، وكذا الهند، وكثير من دول العالم فيدراليَّة مُتوحِّدة، ولها سيادة، وقوة.

أعتقد أنه نحن يجب أن نـُحسِن تطبيق الفيدراليَّة؛ إذ إنـَّها تـُوطـِّد العلاقة، وتقوِّيها، لكنَّ الفيدراليّات أنواع، ويجب أن نختار النوع الذي ينسجم مع مُكوِّننا الشعبيِّ؛ حتى يُساهِم في وحدة العراق.

الدستور، والديمقراطيَّة مُتحرِّكة، وليست ثابتة.. لا يُوجَد دستور في العالم الآن يُطابق أوَّل ما انطلق.. فالدستور الأميركيّ كـُتِب عام 1789 من قبل 56 مُنظـِّراً، وشقَّ طريقه إلى التطبيق من عام 1789 إلى عام 1975 جرى عليه 36 تعديلاً.

طبيعة الدستور أنـَّه وليد مرحلة مُعيَّنة، ومُجتمَع بوعي مُعيَّن.. مادام المُجتمَع يتطوَّر، ومادام وعيه يتطوَّر، وإفرازه بالفكر السياسيِّ التنظيريِّ يتطوَّر الدستور كذلك.. ما كان للمرأة حقُّ أن تـُصوِّت بحسب الدستور الأميركيِّ، وما كان للأسود حقّ، وكان أقلَّ شأناً من المُواطِن الأميركيِّ الأبيض، ثم عُدِّل، وكانت الرئاسات الأميركيَّة مفتوحة، فقد حكم فرانك روزفلت أربع دورات من 1933 إلى 1945، وجرى التعديل الثاني والعشرين، فحدَّد الرئيس بدورتين فقط.

الدستور يتطوَّر بتطوُّر الإنسان.

في الدستور العراقيِّ تمَّ اختيار نوع من أنواع الفيدراليَّة، لكنَّ هذا لا يعني أنـَّه غير قابل للتعديل، يجب أن نـُعدِّله مادام هو خيار شعب، والشعب يتطوَّر؛ فبتطوُّر الشعب يتطوَّر فكره، وتتطوَّر كلُّ البُنى الفوقيَّة له.

أعتقد أنَّ الدستور العراقيَّ غنيٌّ بالكثير من الموادِّ الجيِّدة، وقد يحتاج في بعض الموادِّ إلى تطوير، وهذه ليست بدعة، بل هي موجودة في كلِّ دول العالم.

لفت انتباهي ما تفضَّل به الأخ الأستاذ فؤاد حسين على المادَّة 140.. هذه المادَّة تضمَّنت ثلاثة بُنـُود، البند الأوَّل: هو الإعمار والبناء، والبند الثاني: إعادة تطبيع المدينة، وإعادة السكان خُصُوصاً أنه جرى تشويه ديمغرافيّ في سكان كركوك، وجيء بأناس من خارج كركوك، وهُجِّر أناس بالإجبار، فحدث خلل في التوازن الديمغرافيِّ في داخل كركوك، وثالثاً: الإحصاء، وقد نصَّ عليه قانون إدارة الدولة بأن يكون في نهاية 2007، ونحن شكـَّلنا لجنة، وأعطيناهم 200 مليون دولار؛ للقيام بالإعمار والبناء، وتأخَّروا؛ لأن رئيس اللجنة الذي اتفق عليه الإخوان الأستاذ جلال طالباني والأستاذ مسعود بارزاني كان عضواً في البرلمان، ولا يستطيع الجمع بين مَهمَّتين، فتأخَّر انفكاكه، فتابعته بجدِّية، وهم تأخَّروا، فكتبتُ لمحافظ كركوك بأن يكتب لي ما يُريدون إعماره؛ ليأتي لتسلم المبلغ، وأعطيناه 200 مليون، وشكـَّلنا لجنة لإعادة التطبيع، والنظر بالمُهجَّرين، وأتينا على قضيَّة الإحصاء، والمادَّة 140 تحدد بأن يكون الإحصاء نهاية 2007، وأنا كنت رئيس للحكومة في عام 2005، والناس يقولون: إنَّ الدكتور الجعفريّ يرفض تطبيق المادّة 140، وذهبت إلى كردستان، وألقيتُ عِدَّة مُحاضَرات، وكان معي اثنان من الوزراء الكرد، واحدٌ منهما يُحاور الآخر: لو كنتَ مكان السيِّد الجعفري هل تـُطبِّق المادَّة 140 الآن في عام 2005؟ قال له: لا، فقال الأول: أتفق معك.

سُيِّست قضية المادة 140، ما بقيت على الطريق الصحيح.. بالنسبة لي أنا لا أؤخِّر جدولة أيِّ خطوة عمليَّة، وأنفـِّذها في وقتها.. إلى الآن أتذكـَّر السيِّد كوفي عنان في نيويورك قال لي: لك حقّ أن تـُؤجِّل الانتخابات إلى 2006، أي: تأجيلها ستة أشهر، فانزعجتُ، وقال للسفير الأميركيِّ في بغداد نيغروبونتي، وذاك اليوم رآنا في واشنطن: الدكتور الجعفريّ مُنزعِج، لماذا تقترح عليه تأجيل الانتخابات ستة أشهر، هو يُريد أن يلتزم بالمواعيد.

أعتقد أنه تـُوجَد توقيتات صحيحة، وتوقيتات مُسيَّسة، نحن نشتغل سياسة، لكنَّ التسييس -من وجهة نظري- غير السياسة، تسييس الأشياء يعني اللعب بالاقتصاد، اللعب بالجداول الزمنيَّة، اللعب بالكتل البرلمانيّة بطريقة تقدِّم وتؤخـِّر العمليَّة السياسيَّة.. هذه ليست سياسة، بل تسييس.

أتصور أنه ليس صعباً علينا أن نتفاهم على كلِّ النقاط التي طـُرِحَت سابقاً، والتي تـُطرَح الآن أن نجعلها تـُطبَّق لصالح شعبنا.. وكلُّ شيء يدخل في صالح كردستان نعتبره مكسباً لنا.

تعرفون جيِّداً أنَّ فرص كردستان في بناء الإقليم كانت أحسن من بقـيَّة المناطق؛ لعِدَّة أسباب.. أنا -شخصيّاً- سعيد؛ لأنَّ لديهم تجربة منذ المُعارَضة هم أسَّسوا برلماناً محليّاً، وحكومة محليَّة، فكانت لديهم تجربة حكم محليّ، أفادتهم.

أنا سعيد أن أرى الإعمار، وأتكلم أمام العالم: بأن لا تعتبروا العراق كلـَّه فوضى، إذ تـُوجَد مناطق فيها أمن واستقرار، وهي: مناطق الجنوب عُمُوماً، لا يُوجَد فيها نشاط إرهابيّ، ومنطقة كردستان مبنيَّة، وعامرة، وآمنة.

مرة أخرى أؤكـِّد أنَّ قوة العراق من قوة كلِّ مناطقه من كامل شعبه، وأعتقد أنك تـُريد أن تسأل عن الاستفتاء المنويِّ إجراؤه في كردستان.

حقٌّ لكلِّ شعب أن ينتخب، ويختار ما يشاء، نحن مُقيَّدون بدستور، وفي الوقت نفسه يُوجَد نـُموٌّ لدى الشعب.. أعتقد أنَّ الشعب العراقيَّ شعب واحد، ولكن فيه مُجتمَعات مُتعدِّدة: مُجتمَع كرديّ، ومُجتمَع تركمانيّ، ومُجتمَع عربيّ، ومُجتمَعات مُتعدِّدة، هذه المُجتمَعات تتطوَّر بمرور الزمن، ولا تبقى ثابتة، وأعتقد أنَّ الكرد الآن يشعرون -خُصُوصاً الجيل الذي عاصَرَ هذه التجربة، فالآن رئيس جمهوريتنا من الإخوة الكرد، وكان قبله الأخ جلال طالباني -عافاه الله-، وكذلك في وزارات سياديَّة من السادة الكرد، وكذلك الشيعة.. هؤلاء كانوا محرومين، وما كانوا قبل في العمليَّة السياسيَّة؛ إذن العراق لكلِّ العراقـيِّين.

 

  • ما تأثير الدول المجاورة على العراق؟

الجعفريّ: لا أحد يستطيع أن يُصفـِّره؛ الدول المجاورة تـُؤثـِّر وتتأثـَّر بعضها بالبعض الآخر السعودية والعراق، الكويت والعراق، سورية والعراق، الأردن والعراق، إيران والعراق، تركيا والعراق لا أحد يستطيع أن يُصفـِّره؛ لوُجُود تداخُل مُجتمَعيٍّ، ومصالح مُشترَكة، ومصالح ستراتيجيَّة حيويَّة سواء كانت النفط، أم الثروة المائيَّة، أم غيرهما.

إنـَّما الذي نرفضه أن يكون هناك تدخـُّل في الشُؤُون السياديَّة في العراق، ولا نسمح به.. البنية الاجتماعيَّة العراقـيَّة مُتداخِلة مع البنية الاجتماعيَّة مع الدول المُجاوِرة هناك قبائل مُتدَاخِلة بين العراق وسورية، وبين العراق والسعوديَّة، والعراق وإيران، لكنَّ التدخُّل في شُؤُون العراق مرفوض.

رُبَّما تسأل: كيف تـُفسِّر وُجُود بعض الإيرانيِّين في العراق؟

في عام 2014 ورثت الحكومة الحالة انهياراً في محافظات صلاح الدين، والأنبار، والموصل.

ماذا نعمل؟

هل ننتظر أن تنهار المحافظات كلـُّها؟

داعش وصلت إلى أربيل، فطلبنا مُساعَدات قبل أن يتشكـَّل التحالف الدوليُّ في الشهر التاسع من عام 2014، وعندما تشكـَّل التحالف الدوليّ ألقينا خطاباً في نيويورك تبنـَّى الإسناد الدوليَّ بشُرُوط عراقـيَّة، وانفتحنا على دول أخرى ليست في التحالف الدوليِّ، وقبلنا مُساعَدات من الصين، وكذلك من إيران.

نحن نـُريد أن نحمي بلدنا، ولا يُمكِن أن نتعقـَّل أن تسقط المحافظات واحدة بعد الأخرى، ونحن ننتظر، وقد وضعنا شروطاً لتقديم المساعدة، ومنها: لا يدخل الطرف المقابل إلا بإذن عراقيّ، ومُدَّة مُحدَّدة يُتفـَق عليها، ويخضع للدستور العراقيِّ، ويُراعي الضوابط والقوانين العراقـيَّة.

 

  • كلُّ الحكومات العراقـيَّة فشلت في موضوع حلِّ القضيَّة الكرديَّة في العراق.. هل -باعتقادكم- أنَّ الحكومة الحاليَّة قادرة على استيعاب الحقوق الكرديَّة، وتفهُّم المطالب الكرديَّة؟
  • منذ تأسيس العراق، والسلطة، والدستور، والبرلمان في العراق لم يستطع أن يُحافِظ على المُكوِّنات الدينيَّة في العراق، بل كان نصيبهم التهجير، والتعريب، وآخرها ما حصل بحقِّ الإيزديَّة في سنجار.. هل لدى الحكومة مشروع للحفاظ على الأقليَّات الدينيَّة في العراق؟
  • ما موقفكم من إزالة اللغة الكرديَّة عن جدران السفارة العراقيَّة في ماليزيا؟

الجعفريّ: أمَّا عن مبدأ الاستقلال في إقليم كردستان، فأعتقد أنَّ استقلال كلِّ دولة ليس خاضعاً لظروف الإقليم فقط، بل يجب أن يُفكـِّر مُنظـِّرو، ومُفكـِّرو الإقليم هل أنَّ أجواءه مُتوافرة، وهل هناك تجاوب إقليميّ، ودوليّ؛ حتى تتحقق هذه الولادة..

لا يُوجَد إقليم يسبح وحده في الفضاء، بل يجب أن يسبح في البحر الاجتماعيِّ، والإقليميِّ، والدوليِّ، ويجب أن نستفيد من تجارب الدول التي سبقتنا.

يُوجَد طريق يجب أن يُقطـَع؛ حتى يتحقق هذا الشيء.

التهجير الذي أصاب الإيزديَّة نشرناه في كلِّ العالم، واستنكرناه، وطالبنا المُجتمَع الدوليَّ أن يتدخـَّل، وما اكتفيت بالخطابات العامَّة، ولا بالبيانات، وإنما كان هناك حوارات ثنائيَّة بيني وبين وزراء خارجيَّة العالم عن الإيزديَّة، وكنتُ أتابعهم خطوة خطوة في سنجار، وأتحدَّث عنهم، وفي بعض الأحيان يُرافِقونني في النشاط؛ هذا ليس تعبيراً عن الدولة العراقـيَّة اعتدت عليهم، وإنـَّما الذي اعتدى عليهم هو الذي اعتدى على السُنـَّة، والكرد، والشيعة.

الإيزديَّة مُواطِنون عراقـيُّون يعملون من أجل خدمة العراق، وهم جزء من الشعب العراقيِّ، وقد بذلنا أقصى الجُهُود من أجل تأمين الأجواء المُناسِبة لهم.

ما يحصل للإيزديَّة يُمثـِّل جُرُوحاً، ومواجع لا نقبلها، ونريد إسناد العالم؛ لأنَّ الذي مارَسَ هذا العمل الوحشي هو داعش.

أمّا إزالة اللغة الكرديَّة عن جدران السفارة فلا علم لنا به، وإن كان لديك معلومات يُمكِنك أن تزوِّدنا بها بكلِّ امتنان.

لكني أقول لك: الحكومة لا تقبل بذلك، وكذا وزارة الخارجية..

يُوجَد تصرُّف سفير، وتصرُّف سفارة، وتصرُّف وزارة الخارجيَّة، وتصرُّف الدولة.. أنا الآن في إقليم كردستان، وعندما أرى ظاهرة لا أستطيع أن أقول: حكومة الإقليم فعلت ذلك، بل أقول: يُوجَد كرديّ عمل هذا.

ليس صحيحاً أن نختزل الإقليم، والدولة في سُلوك مُواطِن، وإذا أردنا أن نختزل سُلوك الإقليم في مُواطِن فلنأخذ أحسن كرديّ، ونقول: هذا يُمثـِّل كردستان.

 

  • هل هناك برنامج للحكومة العراقـيَّة لمُحارَبة فكر داعش بعد الانتهاء من داعش؟

الجعفريّ: إلى الآن لا تـُوجَد أرقام كشفت النقاب عن الذي يُموِّل داعش، لكني إذا غابت عنك هويَّة الجاني فابحث عن هويَّة المُستفيد والمُنتفِع رُبَّما تـُوصِلك.. هذا من جانب.

ولنـُفكـِّر في الجانب الثاني ببرامج لمُحارَبة فكر داعش.. هؤلاء أتوا من أكثر من مائة دولة في العالم.. يُوجَد دواعش في العراق من أميركا، ومن بريطانيا، وعُمُوم أوروبا، ومن جنوب شرق آسيا، ومن روسيا، وهؤلاء يُوغِلون بالإرهاب.

أعتقد أنه يُراد لنا وضع فكر مُعادِل لفكر داعش الذي يُجنـِّد الشباب لمُمارَسة الإرهاب بأبشع صورة، ونضع الفكر المُقابل له؛ حتى نحدَّ منه.

 

  • هل لديك رسالة مُحدَّدة من بغداد إلى السياسيِّين الأكراد في هذه الزيارة؟

الجعفريّ: زيارتي إلى كردستان استجابة، وليست مُبادَرة.. وُجِّهت لي دعوة كريمة درستها، ووجدتُ أنَّ من المصلحة أن آتي بها.

كردستان كنتُ أتردَّد عليها منذ كنتُ مُعارِضاً، وفي 27 أبريل 2003 دخلت إلى العراق من خلال كردستان بالتنسيق مع الأخ الأستاذ مسعود بارزاني، ودخلتُ من الحدود، وأتيت إلى صلاح الدين، ثم دخلتُ إلى بغداد؛ فأنا لستُ غريباً على الكرد..

الكرد أصدقائي، وكانت لديَّ خطة عمل معهم سابقاً، وننسجم معهم، ونتعامل سواء كان الأخ جلال، أم الأخ مسعود، أم بقيَّة الأصدقاء، وأنا راغب أن أتردَّد بمُعدَّلات أكثر من الآن، ولكن أريد برنامجاً مُحدَّداً، وثابتاً.

أعتقد أنَّ الجامعات تـُولـَّد ساسة، وتـُولـِّد قادة، وضعوا في بالكم أنَّ أشهر الجامعات الأميركيَّة هي هارفرد أنجبت ستة رؤساء جمهوريَّة من الناجحين في تاريخ أميركا: (جون آدمز، وكونزي آدمز، وفرانك روزفلت، وتيودور روزفلت، وجون كندي، وباراك أوباما)، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ كلَّ مَن يتخرَّج من هارفرد يكون رئيس جمهوريَّة، وإنـَّما أعني أنـَّه  عندما تقوى الجامعة، وتتطوَّر تـُثمِر عن إنتاج نوعيٍّ.. أتمنى لجامعتكم، والسيِّد العميد، وللسيِّدة الدكتورة أن تـُقدِّموا نتاجاً نوعيّاً يفخر به كلُّ العراق ليس في الجانب السياسيِّ فقط، فنحن نحتاج الطبيب الناجح، ونحتاج كلَّ الاختصاصات.

 

  • ما حلمك للعراق؟

الجعفريّ: حلمي أن يعود العراق إلى ما كان سابقاً دولة حضاريَّة تتسنـَّم موقعاً عالياً جدّاً، وأن يشهد العراق بناءً، وتنمية، وأمناً، ويتصدَّر دول المنطقة، ولديه خيرات مُتعدِّدة، وأبناؤه لديهم قدرات على أن يُعيدوا للعراق موقعه.