وزير الخارجيَّة يلقي كلمة العراق في مُنتدى الحضارات العريقة في اثينا

2017/04/24 | المكتب الإعلامي |
4585

قال وزير الخارجيَّة الدكتور إبراهيم الاشيقر الجعفري كلمة القاها في منتدى الحضارات العريقة التي تقام اعماله في العاصمة اليونانية اثينا أنَّ العراق مهد الحضارة في العالم فحتى الآن مضت سبعة آلاف سنة على ولادة الحضارة في العالم، وكانت من بلاد وادي الرافدين من مناطق العراق الجنوبيَّة من العمارة، والناصريَّة، والبصرة، والمناطق الأخرى.

واضاف معاليه اننا عندما نتحدَّث عن الحضارة نتحدَّث عن مكامن القوة الفكريَّة، والإنسانيَّة التي خلقها الله في نفوس البشر، وجعلها مبعث خير لإعمار الأرض.. والحضارة بزغت منذ زمن بعيد، وكانت قد نشرت ظلـَّها على هذه الدول، ولكنـَّها لا ينبغي أن تتوقـَّف عليها، ويجب أن تتحرَّك بشكل مُستمِرٍّ، وتنشر ظلـَّها على دول أخرى ولا ينبغي أن نـُقسِّم العالم اليوم على بعيد وقريب بالأرض، بل إنَّ البعيد والقريب بالقِيَم، وبالإنسانيَّة، وبالأخلاق، وبالمصالح.. هذا هو العالم الجديد.. هكذا يكون الإنسان حامل لواء الحضارة إذ يمدُّ بصره إلى أقصى العالم؛ ليجد في البعيد الجغرافيِّ قريباً في الفكر، وقريباً في القِـيَم.

واوضح الدكتور الجعفري بالقول  "حضارتنا اليوم مُهدَّدة، والإرهاب المُعاصِر يُهدِّد الحضارة كلـَّها.. العراق -وهو مهد الحضارة- تعرَّض لحالة من التخريب على يد الدواعش، وتخريب لنفسيَّة الإنسان، وعبث بهويَّـته الفكريَّة، وحاوَل دحر التراث، والإرث الحضاريّ.. ماذا حصل في مدينة الموصل، ومدينة أور؟.. كيف استهدفها داعش، وحاول تدميرها؟", وان ما تقوم به داعش اليوم في العراق ليس استهدافاً للعراق، بل هو استهداف للعمق الحضاريِّ، واستهداف للمُستقبَل الحضاريِّ، واستهداف لدولكم؛ لأنَّ هؤلاء لا يُميِّزون بين بلد وآخر.. هؤلاء يُريدون أن يغتالوا الثقافة.. كلُّ شيء يقوم على ثقافة.. ما من بناء، وصرح حضاريّ بُنِيَ إلا واعتمد على ثقافة، وما من عدوٍّ أخطر من العدوِّ الثقافيّ.

ودعا معالي الوزير قائلاً "علينا أن نـُكثـِّف جُهُودنا؛ للحفاظ على حضارتنا الحقيقـيَّة؛ ومادامت الحضارة تستهدف الإنسان كهدف تـُريد خدمته، وتـُقيم الحاضرة الجديدة على أساس مُراعاة حقوق الناس يجب أن نـُشيعها، ولا نكتفي بالظواهر المدنيَّة.. يجب أن نـُشيع ظاهرة الحضارة.. كلُّ شيء له علاقة بالإنسان، ويحترم الإنسان، ويحترم الطفولة، ويحترم المرأة، ويحترم الشيخوخة، ويحترم كلَّ مُفرَدة من مُفرَدات الإنسانيَّة ينبغي أن نتمسَّك به.

 

النص الكامل لكلمة وزير الخارجيَّة العراقـيَّة في مُنتدى الحضارات العريقة المُنعقِد أعماله في العاصمة اليونانية أثينا

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

أتوجَّه بالشكر لفخامة رئيس الجمهوريَّة الذي تفضَّل بكلمة ضافية، ورائعة أبرزت بُعداً فكريّاً في شخصيَّـته، كما أتقدَّم بوافر الشكر والتقدير لصديقي وزير خارجيَّة الإغريق، وكذلك وزير خارجيَّة الصين، والسادة الحُضُور كافة..

في بَدْءِ حديثي أودُّ أن أقول: إنَّ الذي يجمعنا في هذه القاعة هو الأصالة الحضاريَّة التي نتمتـَّع بها.

بزغت الحضارة منذ زمن بعيد، وكانت قد نشرت ظلـَّها على هذه الدول، ولكنـَّها لا ينبغي أن تتوقـَّف عليها، ويجب أن تتحرَّك بشكل مُستمِرٍّ، وتنشر ظلـَّها على دول أخرى.

العراق مهد الحضارة في العالم، فحتى الآن مضت سبعة آلاف سنة على ولادة الحضارة في العالم، وكانت من بلاد وادي الرافدين من مناطق العراق الجنوبيَّة من العمارة، والناصريَّة، والبصرة، والمناطق الأخرى.. هذه حقيقة، وفي الوقت نفسه أودُّ أن أثبت أنَّ الذين حملوا لواء الحضارة كانوا قد توزَّعوا على مُختلِف مناطق العالم في مُختلِف مقاطع التاريخ منذ عام ألفين قبل ميلاد السيِّد المسيح 600 إلى 480 قبل التاريخ خلال 120 سنة بزغت خمسة نجوم في سماء الحضارة: بوذا، وهيرودوت، وفيثاغور، وزرادشت، وكونفوشيوس خلال 120 سنة.. هؤلاء برزوا في مُختلِف مناطق العالم، وحملوا لواء الحضارة.

عندما نتحدَّث عن الحضارة نتحدَّث عن مكامن القوة الفكريَّة، والإنسانيَّة التي خلقها الله في نفوس البشر، وجعلها مبعث خير لإعمار الأرض، وعندنا نصّ في القرآن الكريم يدلُّ على أنَّ الله -تبارك وتعالى- خلقنا مُختلِفين: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)) {الحجرات/13}

نحن مُختلِفون ليس بيدنا، وإنـَّما خلقنا الله هكذا.. مِنـَّا الأبيض، ومِنـَّا المُلوَّن، ومِنـَّا الآسيويّ، ومِنـَّا الأفريقيّ، ومِنـَّا الأوروبيّ، ومِنـَّا الأستراليّ.

قضت مشيئة الله هذا الاختلاف، لكنَّ هذا الاختلاف؛ لنتعارف، وليس لنتقاطع، ولا لنتحارب، ولا لنتعازل.. جعلنا هكذا؛ حتى تتنوَّع الحياة، وتتكامل مع بعضها.. هناك مقولة لنبيِّ الإسلام -صلى الله عليه وآله-، وهو الذي عانى من اضطهاد العرب في الجزيرة في مكة، وأشار بيده، وقال لهم: ((اذهبوا إلى الحبشة فإنَّ فيها مَلِكاً لا يُظلـَم عنده أحد)).. هكذا يكون الإنسان حامل لواء الحضارة إذ يمدُّ بصره إلى أقصى العالم؛ ليجد في البعيد الجغرافيِّ قريباً في الفكر، وقريباً في القِـيَم.

لا ينبغي أن نـُقسِّم العالم اليوم على بعيد وقريب بالأرض، بل إنَّ البعيد والقريب بالقِيَم، وبالإنسانيَّة، وبالأخلاق، وبالمصالح.. هذا هو العالم الجديد.

يقول الإمام عليٌّ -عليه السلام-: ((الناس أحد اثنين: إمَّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)).. يكفي أن يُشبه الإنسان الإنسان الآخر بعقله، وعواطفه، وقلبه، وكلِّ شيء..

ينبغي أن تـُحفـَظ حُرمته حتى إذا كان من دين آخر، أو من قارَّة أخرى، أو من أرض أخرى.. يجب أن نتمسَّك به..

رائد العدالة الإنسانيَّة الإمام عليّ -عليه السلام- يُثبت هذه الحقيقة..

أودُّ أن أثبت هنا أنَّ الصين من دول الفجر الحضاريِّ، وهي كما قال أحد رؤساء وزراء بريطانيا وهو فرنسيس باكون، وكان فيلسوفاً ورئيساً للوزراء: ثلاثة اختراعات غيَّرت وجه العالم: المغناطيس، وهو سِرُّ الإبحار، والتجارة البحريَّة، والبارود وهو سِرُّ الصناعة الحربيَّة، والورق وهو سِرُّ التفاهم، والتعامُل.

ولا أدري هل كان يعلم، أو لا يعلم أنَّ الورق، والبارود نشأ في الصين؛ لذا أتذكـَّر قول نبيِّ الإسلام -صلى الله عليه وآله-: ((اطلبوا العلم ولو كان في الصين)).. منذ ذلك الوقت كان ينظر نظرة حضاريَّة مُتقدِّمة بأنـَّه يجب على كلِّ إنسان أن يبحث عن موارد العلم بعيداً عن الأرض، وبعيداً عن اللغة، وبعيداً عن القوميَّة، وبعيداً حتى عن الدين.. اطلبوا العلم ولو كان في أقصى العالم.

هذه كانت ملامح، وبُذور الفكر الحضاريِّ التي زُرِعَت منذ وقت مُبكـِّر.

إخواني.. الاختلافات ليست بدعة، بل هي مسألة طبيعيَّة، وهي سِرُّ الروعة، والجمالـيَّة في التنوُّع.. لو كانت الوُرُود كلـُّها بلون واحد ما جذبت الإنسان..

التلوُّن، والتنوُّع سِرُّ الحضارة، سِرُّ جذب الجمال؛ فأن نكون مُلوَّنين، ومُنوَّعين فهذا عنصر قوة، وليس عنصر ضعف.

حضارتنا اليوم مُهدَّدة، والإرهاب المُعاصِر يُهدِّد الحضارة كلـَّها.. العراق -وهو مهد الحضارة- تعرَّض لحالة من التخريب على يد الدواعش، وتخريب لنفسيَّة الإنسان، وعبث بهويَّـته الفكريَّة، وحاوَل دحر التراث، والإرث الحضاريّ.

ماذا حصل في مدينة الموصل، ومدينة أور؟

كيف استهدفها داعش، وحاول تدميرها؟

علينا نحن أن نـُكثـِّف جُهُودنا؛ للحفاظ على حضارتنا الحقيقـيَّة؛ ومادامت الحضارة تستهدف الإنسان كهدف تـُريد خدمته، وتـُقيم الحاضرة الجديدة على أساس مُراعاة حقوق الناس يجب أن نـُشيعها، ولا نكتفي بالظواهر المدنيَّة.

الظواهر المدنيَّة تختلف عن الظواهر الحضاريَّة، سيارة اللاكزس، والمارسيدس، وطائرات البوينغ، والصناعات الأخرى هذه ظواهر مدنيَّة تعكس قوة اقتصاديَّة، وتعكس قوة في مجال التكنولوجيا، لكنـَّها ليست ظواهر حضاريَّة.. الظواهر الحضاريَّة عندما نـُعزِّز مُنظـَّمة اليونسكو، والدفاع عن حقوق الإنسان، ونحترم الطفولة، ونحترم التعدُّديَّة الموجودة.. هذه هي الظواهر الحضاريَّة.

ترون الآن ونحن نمشي في الشارع الأعلام، إذ نجد علامة الصليب، وعلامة الهلال، وعلامة المنجل والمطرقة، وكلـُّها تـُشير إلى فكر.. هذه ظواهر حضاريَّة تنطوي على فكر، أمَّا الظواهر المدنيَّة فتـُشير إلى تكنولوجيا تتطوَّر مع الزمن، ورُبَّما تنتهي.

يجب أن نـُشيع ظاهرة الحضارة.. كلُّ شيء له علاقة بالإنسان، ويحترم الإنسان، ويحترم الطفولة، ويحترم المرأة، ويحترم الشيخوخة، ويحترم كلَّ مُفرَدة من مُفرَدات الإنسانيَّة ينبغي أن نتمسَّك به.

جاءنا صموئيل هنتغتن بصِدَام الحضارات..

ماذا يعني هذا؟

لماذا تصطدم الحضارات؟

لماذا لا نستبدل صِدَام الحضارات بوئام الحضارات؟!

ما هدف الحضارة؟

ألم تنطلق الحضارة من الإنسان؟!

كلُّ حضارة لا تنطلق من الإنسان لا ينبغي أن تدَّعي أنـَّها حضارة.. نعم، قد تكون مدنيَّة، ولكنـَّها ليست حضارة.

ألم يكن إحداثها لسعادة الإنسان، ومكافحة الفقر؟!

يُعاني الإنسان اليوم من المرض، والجهل، والجوع، والتمييز العنصريِّ، وتقسيم العالم على أساس عالم الشمال، وعالم الجنوب، عالم الشمال 20% يتمتعون بـ80% من الثروات، وعالم الجنوب 80% من الناس يتمتعون بـ20% من الثروات.. هذه الحالات تتطلـَّب أن نـُجنـِّد كلَّ طاقاتنا من أجل مُواجَهتها.

متى نضع العالم في صفحات حضاريَّة جديدة يُحترَم فيها الإنسان بما هو إنسان بغضِّ النظر عن كلِّ الاعتبارات؟

حان الوقت لأن ترسم دول النشوء، والأصالة الحضاريَّة التي تـُمثـِّلها هذه الدول معالم المسار الحضاريِّ الجديد، وتعمل على إشاعة ثقافة حضاريَّة لا تـُفرِّق بين البشر إلا بمقدار ما يكون أكثر عطاءً، وأكثر إنتاجاً، وأكثر إنسانيَّة مع الآخرين.

نحن نتطلـَّع من هذا المُؤتمَر لأن يرسم معالم الوئام الحضاريِّ، والمَحبَّة، والأخوَّة الحضاريَّة الجديدة.

إخواني.. هدف كلِّ حضارة هو الإنسان، وليس غير الإنسان؛ ومادام هذا هو الهدف فلابُدَّ أن نتمسَّك به، ونـُدافِع عنه، ونحفظ هذه الحضارة؛ حتى تمشي من ضفة الانطلاق من هذه الدول؛ لتنتهي إلى ضفة مُستدِيمة تـُعمِّم خيراتها، وثقافتها على كلِّ شُعُوب الأرض.

ما تقوم به داعش اليوم في العراق ليس استهدافاً للعراق، بل هو استهداف للعمق الحضاريِّ، واستهداف للمُستقبَل الحضاريِّ، واستهداف لدولكم؛ لأنَّ هؤلاء لا يُميِّزون بين بلد وآخر.. هؤلاء يُريدون أن يغتالوا الثقافة.

كلُّ شيء يقوم على ثقافة.. ما من بناء، وصرح حضاريّ بُنِيَ إلا واعتمد على ثقافة، وما من عدوٍّ أخطر من العدوِّ الثقافيّ.

نحن مدعوون لئلا نكتفي بأن نكون بلدان الأصالة الحضاريَّة، وإنـَّما لابُدَّ أن نكون بلدان التجديد الحضاريِّ.. لا أصالة بلا تجديد، كما لا تجديد بلا أصالة، ولا تـُوجَد أصالة لا تـُجدِّد نفسها بمُرُور الزمن، كما لا يُوجَد مَن يحترم نفسه، ويُريد أن يُواكِب الزمن، ويتجدَّد مع الزمن من دون أن يتمسَّك بخُيُوطه الأولى، وبأصالته القديمة، وهذه توافرت في حضاراتنا.

أتمنـَّى لكم كلَّ التوفيق..

مرَّة أخرى أتقدَّم بوافر الشكر، والتقدير للسيِّد وزير خارجيَّة الإغريق، وكذلك السيِّد وزير خارجيَّة الصين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.