وزير الخارجيَّة يلقي كلمة في الاحتفاليَّة التي أقامتها الوزارة بمناسبة تخرُّج طلاب العلوم السياسيَّة في عدد من جامعات بغداد

2017/05/01 | المكتب الإعلامي |
1880

قال وزير الخارجيَّة الدكتور إبراهيم الاشيقر الجعفريّ في كلمة القاها بالاحتفاليَّة التي أقامتها الوزارة بمناسبة تخرُّج طلاب العلوم السياسيَّة في عدد من جامعات بغداد إنَّ سياسة العراق الخارجيَّة منذ أن تمَّ التصدِّي لها رسمت خطـَّها، ومركزها على ضوء إقامة العلاقات مع دول العالم.. وليس سِرّاً على أحد أنَّ العراق كان في حالة عُزلة، وكانت تـُوجَد حالة انكماش، وعدم انفتاح العراق، وعدم زيارة العراق، وعدم توجيه دعوة له إلا بحُدُود قليلة؛ لذا طرح شعار إقامة العلاقة، وأنَّ الأصل أن تكون لدينا علاقة مع كلِّ دولة من دول العالم، ولا يسأل أحد: لماذا نـُقيم العلاقة، بل لماذا لا نـُقيم العلاقة؟.. رُبَّما من السهل أن تضع نظريَّة للانفتاح على دول العالم، لكنَّ الصُعُوبة تكمن في التطبيق, وان إقامة العلاقات كانت نظريَّة قائمة على القطبيَّة الثنائيَّة، بين العراق ودول العالم مصالح مُشترَكة، ومخاطر مُشترَكة، وتبادُل وجهات نظر، وهذا ليس بعيداً عن الثقافة؛ لذا تميَّزت الوزارة بفضل العاملين فيها أنـَّهم مُثقـَّفون، ويعتمدون التعاطي الثقافيَّ مع دول العالم.

واشار معاليه بالقول "في الوقت الذي أكـَّدنا على ضرورة إقامة العلاقات مع كلِّ دول العالم تجنـَّبنا سياسة المحاور.. فنحن نتعامل مع الحوض الإقليميِّ، ونعلم أنـَّه تـُوجَد بين دوله تقاطعات، رُبَّما تتشكل محاور، ولكننا نبتعد عن سياسة المحاور، ونتعامل مع كلِّ الدول.

مستطرداً بالقول: تحاشينا التدخـُّل في الشُؤُون الداخليَّة لكلِّ الدول.. وكان صوت الخارجيَّة العراقـيَّة صريحاً، ومُدوِّياً في أروقة المُجتمَع الدوليّ.. وبكلِّ صراحة هناك قطيعة بين بعض دول الجوار الجغرافيِّ، ونحن نعمل على حلـِّها، والتقريب، لكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقف مع دولة ضدَّ دولة أخرى.

واكد الدكتور الجعفري قائلاً اننا وضعنا في الحساب إمكانيَّة العمل على إعادة الدور العراقيِّ الرياديِّ، وأن يحتلَّ العراق موقعه بما حباه الله من نِعَم، ومن تاريخ، ومن حضارة، ومن أدب، ومن شعر، ومن مدارس حديث، وكلّ شيء في العراق.. وان وزارة الخارجيَّة اعتمدت على العلاقات، ولا تكون لذات العلاقات فقط، وإن كان هذا هدفاً جيِّداً؛ لا لما يترتب عليها من استثمارات في مجال الاقتصاد، وفي مجال العلاقات السياسيَّة، وقد رأينا ما درَّت علينا من فوائد مُمتازة، ومُتميِّزة في أروقة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة، ومنظمة التعاون الإسلاميّ، ودول عدم الانحياز، وفي كلِّ المُنتدَيات وصل صوت العراق.

واضاف السيد الوزير ان وزارة الخارجيَّة العراقـيَّة ليست وزارة مذهب مُعيَّن دون بقـيَّة المذاهب، ولا قوميَّة دون بقـيَّة القوميَّات، ولا أيِّ انتماء دون بقـيَّة الانتماءات، الخارجيَّة تتسع بكلِّ مجالاتها لكلِّ العراقـيِّين، وتعتزُّ بهم، ولا تـُفرِّق بين أحد من مُوظـَّفيها.. نعم، تـُفرِّق بين المُواطِن الكفوء، وبين الأقلِّ كفاءة، والمُواطِن الأمين وبين المُتعثـِّر.. هذا مقياس طبيعيّ معمول به في دول العالم.

وبارك الدكتور الجعفريّ للطلبة التخرج قائلاً: أتمنـَّى أن أرى فيكم مُستقـبَلاً واعداً قريباً، وأن تتحوَّلوا إلى نـُجُوم تسطعُ في سماء السياسة العراقـيَّة.. أتمنـَّى لكم كلَّ الكفاءة، والقدرة، والقابليَّة، وأتطلـَّع أن تـُبحِروا في مجال المُمارَسة السياسيَّة من شاطئ كونكم خِرِّيجين؛ لتصلوا إلى المُستوى القياديِّ، ونرفع رُؤُوسنا بقدراتكم، وقابليَّاتكم, مضيفاً أنّ تحصل على شهادة لا يعني أنـَّك أصبحتَ سياسيّاً؛ السياسة مُمارَسة، وتطويع الواقع بمشاكله، ووضع الحُلـُول لها، ومُحاوَلة العُبُور من ضفة المُشكِلة إلى ضفة الحلِّ.. وقد نستطيع أن نأتي بطبيب، ومهندس من الخارج، لكن لا نستطيع أن نأتي بسياسيٍّ؛ لأنَّ السياسيَّ ما لم يكن معجوناً بتراب الوطن، ويُضحِّي من أجله لا يستطيع أن يُؤدِّي مَهمَّته.. السياسيُّ يجب أن يكون مُتشبِّعاً بروح الوطنيَّة.

واشار معاليه الى ان السياسة ليست كما يزعم البعض، ويتجرَّأ، ويعدُّها حِيَلاً، وأكاذيب، وفنَّ الخداع، بل السياسة هي القِيَم؛ والعدل، وهو ركيزة العمل السياسيِّ، وليس الظلم، والمُخادَعة.. السياسة لها خُصُوصيَّة عن بقـيَّة التخصُّصات الحياتـيَّة الأخرى؛ لأنـَّها تختلف بناءً على اختلاف مُحتوَياتها.. السياسة في العراق مُرتبطة بتاريخ العراق، وحضارته، وبالفكر، والتكوينة الاجتماعيَّة، والمُعتقدات، وبكلِّ الأشياء؛ لذا تختلف السياسة من بلد إلى آخر, وان عُرِفَ عن بعض السياسيِّين أنـَّه يتعامل مع الجميع -للأسف الشديد- بفنِّ الخداع، بل تجرَّأ البعض منهم بأن يُنظـِّر لهذا الخطاب.. وعدُّوا الخداع، والمُراوَغة، وما شاكل ذلك جزءاً من السياسة، حتى عندنا في بعض أروقة التعامُل السياسيِّ -للأسف- بدأ بعض السياسيِّين يُكرِّرون هذه المقولة: (جاوبني جواب سياسي)، أي: جواب كاذب، فيما نعتقد أنَّ السياسة تتطلـَّب أكثر من أيِّ اختصاص آخر أن تتعامل بصدق، ومِصداقـيَّة.

واكد معالي الوزير بالقول "نعتقد أنَّ الثالوث الذي يقف في مصداقـيَّة السياسة، كما هو أيُّ فكر آخر، أو أيّ مُمارَسة أخرى هو أنَّ الدافع، والغاية، والأسلوب يجب أن تنسجم هذه العناصر الثلاثة مع بعضها في الأداء السياسيّ.. الدوافع، والأهداف، والأساليب يجب أن تكون إنسانيَّة؛ لذا فمن يُبحِر في مجال السياسة عليه أن يستعين بأقوى القِيَم، وأنزه الوسائل، ويُحقـِّق أحسن الأهداف الإنسانيَّة.. غير مطلوب منا أن لا نـُخطئ، بل مطلوب منا أن لا نـُخفي الحقائق، ولا نكذب، وإذا أخطأنا نقول أخطأنا، وعندما نصيب نقول: أصبنا.. لا أحد يخاف عندما يُخطئ، لكن نخاف من الكذب، والتدليس، والخداع الذي يُمنى به.. نحن لا نـُنكِر وُجُود أخطاء في التجربة، لكنَّ الخطأ يُحفـِّزنا على أن نعمل من أجل مُعالجة هذه الأخطاء، والحفاظ على وحدة العراق، وسيادته", داعياً إلى أن يتحلـَّى كلُّ المُتصدِّين بإرادة الحلِّ.. لدينا مشاكل كثيرة، وهناك إرادة حلٍّ حقيقـيَّة، ومادام هناك إرادة نزيهة، وشريفة، وقويَّة تريد الحلَّ، فسرعان ما تستجيب المُفرَدات المعنيَّة لها.

 

 

النص الكامل لكلمة الدكتور إبراهيم الجعفريّ وزير الخارجيَّة العراقـيَّة في الاحتفاليَّة التي أقامتها الوزارة بتخرُّج طلاب العلوم السياسيَّة في عدد من جامعات بغداد

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

قال الله -تبارك وتعالى- في مُحكـَم كتابه العزيز:

((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ))  {النساء/58}

إنـَّما استفتحتُ الحديث معكم بهذه الآية الشريفة؛ تأكيداً على أنَّ السياسة ليست كما يزعم البعض، ويتجرَّأ، ويعدُّها حِيَلاً، وأكاذيب، وفنَّ الخداع، بل السياسة هي القِيَم؛ لذا أشار هذا النصُّ القرآنيُّ بصريح العبارة إلى العدل، وهو ركيزة العمل السياسيِّ، وليس الظلم، والمُخادَعة.

نتقدَّم لأبنائنا، وبناتنا بوافر الشكر، والتقدير في هذا المكان المُخصَّص ليكون نافذة للعلاقات السياسيَّة مع العالم.. هنا تـُصنـَع السياسة الخارجيَّة، وهنا تمتدُّ الأذرع السياسيَّة؛ لتتعاطى مع كلِّ دول العالم.

أبارك لكم هذا التخرُّج، وأتمنـَّى أن أرى فيكم مُستقـبَلاً واعداً قريباً، وأن تتحوَّلوا إلى نـُجُوم تسطعُ في سماء السياسة العراقـيَّة.

السياسة لها خُصُوصيَّة عن بقـيَّة التخصُّصات الحياتـيَّة الأخرى؛ لأنـَّها تختلف بناءً على اختلاف مُحتوَياتها.. السياسة في العراق مُرتبطة بتاريخ العراق، وحضارته، وبالفكر، والتكوينة الاجتماعيَّة، والمُعتقدات، وبكلِّ الأشياء؛ لذا تختلف السياسة من بلد إلى آخر.

والفكر السياسيّ المُعارِض يختلف عن الفكر السياسيِّ في مجال الحكم من حيث النظريَّة والتطبيق.. في المُعارَضة ينشغل المُهتمُّون بالمجال السياسيِّ تنظيراً وتطبيقاً بتغيير الحكم القائم، والعمل على إيجاد النظام البديل.. هذه كانت الشغل الشاغل للسياسيِّين العراقـيِّين إبَّان الفترة الماضية حتى عام 2003.

في مجال الحكم يختلف الفكر السياسيُّ نظريَّة وتطبيقاً؛ فلابُدَّ أن نـُجسِّد هذه النظريَّة تجسيداً حيّاً..

وزارة الخارجيَّة مسؤولة في الجانب التنظيريِّ، والجانب التطبيقيِّ إلى جانب مُؤسَّسات الدولة الأخرى من برلمان، ومجلس الوزراء، والمرافق الأخرى، لكنَّ الناحية العمليَّة، أو الجهة المسؤولة المُباشِرة عن تنفيذ سياسة الدولة هو وزارة الخارجيَّة، وإنَّ ساحة عملها، وانطلاقتها إلى كلِّ العالم من دون استثناء هذا إذا كانت السياسة كما نـُريدها أن تجعل العراق يتعامل مع هذه المُفرَدات من دون أن يكون حبيس هذه المنطقة، أو تلك، وهذه الدولة، أو تلك.

عُرِفَ عن بعض السياسيِّين أنـَّه يتعامل مع الجميع -للأسف الشديد- بفنِّ الخداع، بل تجرَّأ البعض منهم بأن يُنظـِّر لهذا الخطاب.. كــ ديزلي، وكثير من المُفكـِّرين السياسيِّين عدُّوا الخداع، والمُراوَغة، وما شاكل ذلك جزءاً من السياسة، حتى عندنا في بعض أروقة التعامُل السياسيِّ -للأسف- بدأ بعض السياسيِّين يُكرِّرون هذه المقولة: (جاوبني جواب سياسي)، أي: جواب كاذب، فيما نعتقد أنَّ السياسة تتطلـَّب أكثر من أيِّ اختصاص آخر أن تتعامل بصدق، ومِصداقـيَّة.

الكلام يجب أن يكون صحيحاً، ويتحلـَّى بالصدق، بل يتحلـَّى بالمصداقـيَّة في التطبيق العمليِّ، ويُنقـَل بأمانة، ويبذل قصارى جهده من أجل أن يُطبِّق هذه الأشياء.

قد لا يستطيع السياسيُّ، أو قد يفشل، أو قد يشتبه، كلـُّه مُمكِن، ولكن أن يُكذِّب، فغير صحيح، وليس سياسة.

لعلَّ أكثر مَنْ تردَّد اسمه في مجال الخداع السياسيِّ، والكذب هو ميكافلي، وأظنُّ أنـَّه تحوَّل إلى ظاهرة، بل أستطيع أن أقول: يندر أن نرى بعض الأنظمة السياسيَّة المُعاصِرة ما ابتـُلِيَت بجزء من منهجيَّة ميكافليّ.. ميكافلي يعدُّ الغاية كافية، وتبرِّر كلَّ الوسائل (الغاية تبرِّر الواسطة)، أي: أن تكون غايتك شريفة لك أن تستخدم أيَّ وسيلة، فيما نعتقد أنَّ الثالوث الذي يقف في مصداقـيَّة السياسة، كما هو أيُّ فكر آخر، أو أيّ مُمارَسة أخرى هو أنَّ الدافع، والغاية، والأسلوب يجب أن تنسجم هذه العناصر الثلاثة مع بعضها في الأداء السياسيّ.

الدوافع، والأهداف، والأساليب يجب أن تكون إنسانيَّة؛ لذا فمن يُبحِر في مجال السياسة عليه أن يستعين بأقوى القِيَم، وأنزه الوسائل، ويُحقـِّق أحسن الأهداف الإنسانيَّة..

تجربة السياسة بعد المرحلة التي انقضت (مرحلة الدكتاتوريَّة، والحاكم الفرديّ) شهدت انعطافة جديدة، ولنا الحقّ أن نقول: العراق اختلف بعد 2003 عمَّا كان عليه سابقاً، إذ وقف الناس في مُختلِف مناطق العراق طوابير للتصويت على الدستور، بل حتى العراقـيُّون في عواصم العالم، وكنا نـُصِرُّ على ضرورة إنجازه رغم أنَّ الظروف كانت صعبة، وبعض الدول حاولت أن تتدخـَّل؛ لتـُعيق هذه الخطوة، لكنَّ الإرادة الوطنيَّة أصرَّت على ضرورة تنفيذ هذه الخطوات، كما أنَّ العراق يبعث رسالة إلى كلِّ دول العالم بأنَّ ما يسمع من تفجيرات، وما يغلب من اللون الأحمر لون الدم في التلفزيون هناك صوت آخر، وهو صوت الانتخابات، ولون آخر، وهو لون التعايش بين كلِّ مُركـَّبات الشعب العراقيّ.

الدستور ليس أمراً بسيطاً، فلا نزهد به، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ الدستور ليس عليه مُلاحَظات، لكنَّ المُلاحَظات الموجودة على الدستور لا تبرِّر خرقه.. نعم، الدستور ليس كتاباً مُقدَّساً، هو ليس إنجيلاً، ولا توراة، ولا قرآناً، لكنه عقد اجتماعيّ.. الدستور خاضع للتبدُّل، والتغيير.. الدستور يصنع واقعاً سياسيّاً، والواقع السياسيّ يتطوَّر، فيُغيِّر الدستور؛ لذلك عندما نـُؤرِّخ للدساتير في العالم ما بين كـُتِبَت في نسختها الأولى إلى ما وصلت إليه تبدَّل مرّات مُتعدِّدة في أرقى دول العالم.. لا تـُوجَد دولة في العالم لم تـُغيِّر دستورها، ولكنـَّها تـُغيِّره بطريقة دستوريَّة نصَّ عليها الدستور.

ظاهرة الانتخابات.. كنا نسمع سابقاً بأنَّ نتائج الانتخابات 99,99%، هذه تمثيليَّة أُعِدَّت مُسبّقاً، وهي قضيَّة شكليَّة، أمَّا اليوم فالمحافظات تشهد انتخابات محليَّة، وانتخابات اتحاديَّة في كلِّ العراق.. هذه ظاهرة جديدة نأمل أن تبقى، بل تتطوَّر، ونستفيد من تجارب الانتخابات التي مضت؛ حتى نـُقلـِّص الأخطاء، ولا نقول: نـُصفـِّرها، نـُقلـِّص الخطأ إلى درجة بحيث لا يُؤثـِّر في مُجمَل نتائج الانتخابات.

التعبير عن الرأي بصمة سياسيَّة، ولا يُشكِل أحد، ولا يستطيع أن يُشكـِّك في وُجُود حُرِّية التعبير عن الرأي في الصحافة، والقنوات الفضائيَّة.. في كلِّ مكان يتحدَّث المُواطِن العراقيّ سياسيّاً، كان أو غير سياسيٍّ بملء فمه من دون أن يتردَّد، وإذا كانت لديه مُلاحَظات.

التبادُل السلميُّ للسلطة، شهد العالم مواسم انتخابيَّة مُتعدِّدة..

منذ عام 2003، و2004 إلى الآن شهد العراق عِدَّة انتخابات، وجاءت حُكـُومات بطريقة سلميَّة، وتمَّ تداول السلطة بشكل طبيعيٍّ من حُكـُومة مجلس الحكم إلى الحُكـُومة المُؤقـَّتة إلى الانتقاليَّة إلى الوطنيَّة بمراحلها المُختلِفة، والعالم كلـُّه يشهد ذلك؛ وأحدث مردودات طيِّبة، وجيِّدة لدى الكثير من دول العالم، وبدأوا ينظرون إلى العراق بكلِّ احترام.

رُبَّما تضايقت بعض الدول من أنَّ هذا سبَّب وعياً اجتماعيّاً، ورُدُود فعل عند مُواطِنيها، وأنـَّهم يتطلـَّعون في بلدانهم أن ينتقلوا عندما يرون أنَّ المرأة العراقـيَّة تـُشارك، وتصل إلى الحجم الذي وصلت إليه في البرلمان، فالآن تـُوجَد 82 سيِّدة في مجلس النواب، وكان في الحكومة الانتقاليَّة ست سيِّدات وزيرات؛ ممَّا سبَّب اختلالاً سياسيّاً في بعض مُجتمَعاتهم؛ ما كان هذا حتى في بلدان أوروبا؛ إذن العراق يتقدَّم بشكل حثيث، وجيِّد نحو الأمام.

التجربة الفيدراليّة تجربة جديدة في العراق، والآن لدينا إقليم، وإدارات فيدراليَّة مُتعدِّدة، وهذه تجربة جديدة على العراق، بل جديدة على المنطقة.

حقوق المُكوِّنات المُختلِفة: الناظر بدقة، وأمانة إلى مجلس النواب يجد مُكوِّنات الشعب العراقيِّ كلـَّها تنعكس في البرلمان كلـِّه، تجد المُكوِّنات الدينيَّة، والمذهبيَّة، والقوميَّة، والسياسيَّة.. ما من مُكوِّن إلا وله تواجُد في البرلمان العراقيِّ.. هذه تجربة سياسيَّة نعتزّ بها.

المُلاحَظات على التجربة لا تعني أنـَّها خالية من الأخطاء، ولكن يجب أن نذكر الإيجابيَّات، ونعتزّ بها بشكل صريح، كما يجب أن نـُشير إلى وُجُود أخطاء؛ لأنَّ عدم ذكر الأخطاء إمَّا جهل بها، أو تجاهُل عن عمد.

غير مطلوب منا أن لا نـُخطئ، بل مطلوب منا أن لا نـُخفي الحقائق، ولا نكذب، وإذا أخطأنا نقول أخطأنا، وعندما نصيب نقول: أصبنا.

لا أحد يخاف عندما يُخطئ، لكن نخاف من الكذب، والتدليس، والخداع الذي يُمنى به.

العمليَّة السياسيَّة: هناك إرادة يُفترَض أن يتحلـَّى بها كلُّ المُتصدِّين، وهي إرادة الحلِّ.. لدينا مشاكل كثيرة، وهناك إرادة حلٍّ حقيقـيَّة، ومادام هناك إرادة نزيهة، وشريفة، وقويَّة تريد الحلَّ، فسرعان ما تستجيب المُفرَدات المعنيَّة لها، وفي الوقت نفسه هناك حالة عند العراقـيِّين، وهي التعايُشُ.. لا نـُريد مُجتمَعاً أفلاطونيّاً..

هناك حالة تعدُّد موجودة، فنحن لسنا من دين واحد، ولسنا من مذهب واحد، ولسنا من اتجاه سياسيٍّ واحد، وقوميَّة واحدة، وانتماء واحد.

كيف نـُوفـِّق بين هذا التعدُّد، وبين وحدة حركة المُجتمَع؟

بإيجاد حالة من التعايُش.. تتوافر القدرة على التعايُش بين أبناء الشعب العراقيِّ؛ ومادام يُوجَد استعداد لأن نتعايش مع بعضنا حتى في الدوائر، والعوائل، فلا يُخشى على العراق.

لا ننتظر أن تتطابق الآراء 100%، وكلُّ واحد يقف عند قناعته، وغير مُستعِدٍّ لأن يتجاوزها، فهذا يعني أنَّ حركة ذلك المُركـَّب ستقف، لكنَّ الذي لديه استعداد لأن يتجاوز، ويتعايش مع الآخر، وهذه نصيحة لكلِّ فرد في حياته أن لا ينتظر من كلِّ علاقة أن تتطابق 100%؛ لذا فما ننسجم به خير، وما لا ننسجم به نتعايش، ونتكيَّف معه.

هذه صمام أمان؛ لأنـَّكم رشحة جديدة رائعة من مُرشّحات الإنتاج السياسيِّ العراقيِّ، وثروة.. أنتم تحملون تباشير المُستقـبَل، وتحملون مسؤوليَّة بناء الحاضر.

السياسة فنُّ المُمكِن في إدارة المُتغيِّر.

ماذا تعني كلمة (فنّ)؟

تعني أنَّ التجربة العمليَّة غير مفصولة عن الثقافة، أي: تقوم على أسس نظريَّة، وفلسفة.

ضع نظريَّـتك، ويكفي أن تـُطبِّق منها القسم الأكبر، إذا لم تستطع تطبيقها 100%.. فنُّ المُمكِن في إدارة المُتغيِّر، ما تراه اليوم لن يبقى كذلك، كما لم يكن كذلك بالأمس القريب.

السياسة ليست ثابتة كالجغرافية، بل السياسة مُتغيِّرات، ولها علاقة بمزاج الناس، وعلاقة بالحكومة؛ لذا نحن أمام مُركـَّب ديناميّ مُتحرِّك، ولا يستقرُّ على صيغة مُعيَّنة.

سياسة العراق الخارجيَّة منذ أن تمَّ التصدِّي لها رسمت خطـَّها، ومركزها على ضوء الأسس التالية:

الأولى: إقامة العلاقات مع دول العالم: ليس سِرّاً على أحد أنَّ العراق كان في حالة عُزلة، وكان تـُوجَد حالة انكماش، وعدم انفتاح العراق، وعدم زيارة العراق، وعدم توجيه دعوة له إلا بحُدُود قليلة؛ لذا طرح شعار إقامة العلاقة، وأنَّ الأصل أن تكون لدينا علاقة مع كلِّ دولة من دول العالم، ولا يسأل أحد: لماذا نـُقيم العلاقة، بل لماذا لا نـُقيم العلاقة؟

الأصل أن نـُقيم العلاقة مع دول العالم، وقد رأينا ثمارها الآن عندما حاوَلَ الإرهاب أن يُشوِّه صورة العراق، وحاولت بعض الدول أن تتعاطف معه.

الثانية: الانفتاح العراقيّ بدَّدَ هذه الصورة، ودرَّت علينا سياسة الانفتاح على دول العالم مردودات سياسيَّة، وإعلاميَّة، ومالـيَّة، وأمنيَّة.

رُبَّما من السهل أن تضع نظريَّة للانفتاح على دول العالم، لكنَّ الصُعُوبة تكمن في التطبيق.

مَنْ الشخصيَّات التي تـُعنى بتطبيق السياسة الخارجيَّة؟

هم العاملون في وزارة الخارجيَّة.. قد لا يكون الشخص كفوءاً في إنتاجه، ويصعب عليه ذلك، ولكن ينبغي أن لا يُعرقِل حركة العاملين في السفارة، أو المركز، فتتحوَّل من مجال الإنتاج إلى مجال الاستهلاك.. هذا نوع من أنواع الفساد الإداريِّ الذي تـُمنى به بعض الدول.

الثالثة: إقامة العلاقات كانت نظريَّة قائمة على القطبيَّة الثنائيَّة، بين العراق ودول العالم مصالح مُشترَكة، ومخاطر مُشترَكة، وتبادُل وجهات نظر، وهذا ليس بعيداً عن الثقافة؛ لذا تميَّزت الوزارة بفضل العاملين فيها أنـَّهم مُثقـَّفون، ويعتمدون التعاطي الثقافيَّ مع دول العالم.

العراق لديه حضارة، وثقافة، ورؤية إنسانيَّة، ولا يُختزَل بأرضه، والمُواطِن العراقيُّ أكبر من أرضه، والشعب العراقيّ أكبر من أرضه؛ لذا أقول للذين هاجروا من العراق لأسباب مُعيَّنة سواء كان في المرحلة السابقة، أم الآن، مع الفرق الكبير بين هجرة العراقـيِّين سابقاً قبل التغيير، وهي التي كانت هُرُوباً من الدكتاتوريَّة، والإعدامات، ولا يخلو بيت عراقيّ من شهيد، وأنا أتحمَّل مسؤوليَّة هذه الكلمة، ولا تخلو عاصمة من عواصم العالم إلا وتمَّ فيها اغتيال مُواطِنين عراقـيِّين من مُختلِف الخلفيَّات السياسيَّة، واليوم يُوجَد مُهاجرون؛ إذن الهجرة قبل التغيير كانت هُرُوباً من جحيم النظام، ومن إعداماته التي نشرها، ومن الضائقة، والحصارات التي مرَّ بها العراق، والحُرُوب التي مرَّ بها العراق، أمَّا الهجرة الحاليَّة فليست هجرة هُرُوب من النظام، بل يلوذون بالنظام.. المُواطِن العراقيّ يخرج من الموصل، ويذهب إلى دهوك.

لماذا يهاجرون؟

يهاجرون هَرَباً من داعش، ومن القاعدة، ومن الإرهاب..

خِيَرَة خلق الله هاجروا من كلِّ الاتجاهات.. اقرأوا تاريخ الدول، حتى الأنبياء هاجروا، الرسول -صلى الله عليه وآله- هاجَرَ إلى المدينة المُنوَّرة، وكذا الحال في الدول الأخرى الدول العلمانيَّة الذين أقاموا حواضرها هاجروا، لينين كان في برلين عندما قامت الثورة البلشفيَّة عام 1917، ودخل موسكو بقطار من ألمانيا إلى الاتحاد السوفيتيّ، وديغول كان في بريطانيا، وغيرهما كثير من قادة العالم، بل كلّ قادة العالم عندما يُواجهون دكتاتوريَّة، ويُناضِلون تواجههم الأنظمة القائمة بلغة الحديد، والنار، فهناك مَن يُقتـَل، وهناك مَن يُسجَن، وهناك مَن يهرب بنفسه؛ حتى يُكمِل مسيرته.

لذلك هذه بدعة أن نـُصنـِّف العراقـيِّين إلى عراقيِّي الخارج، وعراقيِّي الداخل، العراقيُّ عراقيّ، وإذا خرج من أرضه لا يعني أنـَّه خرج من وطنيَّـته، ولا يعني أنـَّه خَرَجَ من مسؤوليَّـته..

المُواطِن العراقيُّ في الداخل يُؤدِّي دوراً في بناء العراق، والعراقـيُّون الموجودون في الخارج يُؤدُّون دوراً خُصُوصاً أنـَّنا نمرُّ بأزمة إعلام.. عندما ينهض العراقيّ بمَهمَّته، ويكون صدى لصوت إخوانه، وليس صدى لصوت الآخرين يكون قد أدَّى رسالة إعلاميَّة مُهمَّة جدّاً.

الرابعة: في الوقت الذي أكـَّدنا على ضرورة إقامة العلاقات مع كلِّ دول العالم تجنـَّبنا سياسة المحاور.. نحن نتعامل مع الحوض الإقليميِّ، ونعلم أنـَّه تـُوجَد بين دوله تقاطعات، رُبَّما تتشكل محاور، ولكننا نبتعد عن سياسة المحاور، ونتعامل مع كلِّ الدول.

المُشترَك العراقيُّ الثابت، والإقليميُّ المُتغيِّر من دولة إلى أخرى حسب طبيعة المصالح، والحقائق الجغرافيَّة، والمُجتمَعيَّة نتعامل مع هذه..

هذا شيء طبيعيّ جدّاً، ويجب أن نـُتقِنه في التعامُل..

الخامسة: نحن تحاشينا التدخـُّل في الشُؤُون الداخليَّة لكلِّ الدول.

كان صوت الخارجيَّة العراقـيَّة صريحاً، ومُدوِّياً في أروقة المُجتمَع الدوليّ.. طـُرِحَت قضيَّة التدخـُّل في اليمن، فصدح الصوت العراقيّ في شرم الشيخ: لا نسمح لأنفسنا أن نتدخـَّل في شُؤُون اليمن، لا نقف مع هذه الدولة، ولا تلك الدولة؛ ليس من سياستنا أن نتدخـَّل في الشُؤُون الداخليَّة للدول الأخرى.

بكلِّ صراحة هناك قطيعة بين بعض دول الجوار الجغرافيِّ، ونحن نعمل على حلـِّها، والتقريب، لكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقف مع دولة ضدَّ دولة أخرى.

تعلمون جيِّداً أنَّ بين تركيا وسورية قطيعة، ونحن لدينا علاقة قويَّة مع تركيا، وعلاقة قويَّة مع سورية، وهناك قطيعة بين السعوديَّة وإيران، ونحن لدينا علاقة قويَّة مع إيران، وعلاقة قويَّة مع السعودية.. هذه الدول تتقاطع، لكنَّ العراق مُتمسِّك بإحدى ثوابت السياسة الخارجيَّة، وهي: أن يُبقِي العلاقة مع هذه الدول من دون أن يكون مُروِّجاً لهذه الخلافات.

وضعنا في الحساب إمكانيَّة العمل على إعادة الدور العراقيِّ الرياديِّ، وأن يحتلَّ العراق موقعه بما حباه الله من نِعَم، ومن تاريخ، ومن حضارة، ومن أدب، ومن شعر، ومن مدارس حديث، وكلّ شيء في العراق..

العراق عاش مُهُوداً لبواكير الحضارة -هذه ليس قضيَّة نرجسيَّة-، وإنـَّما لأنّ الله  أنعم عليه بدجلة والفرات، وكان يُفكـِّر كيف يُحيل هذه الأرض الجرداء إلى أرض السواد، ولدينا النفط.

لماذا ليس هناك عمل جادّ، وحقيقيّ، وتسابُق للاستثمارات النفطيَّة في سبيل إعمار العراق؟

اعتمدت الخارجيَّة على العلاقات، ولا تكون لذات العلاقات فقط، وإن كان هذا هدفاً جيِّداً؛ لا لما يترتب عليها من استثمارات في مجال الاقتصاد، وفي مجال العلاقات السياسيَّة، وقد رأينا ما درَّت علينا من فوائد مُمتازة، ومُتميِّزة في أروقة الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة، ومنظمة التعاون الإسلاميّ، ودول عدم الانحياز، وفي كلِّ المُنتدَيات وصل صوت العراق.

المردودات الإيجابيَّة الجيِّدة لمسها كلُّ العراقـيِّين، وكلُّ المُهتمِّين بالشأن العراقيِّ.. يعني ليس سِرّاً على أحد أنَّ هذه الإنجازات ما جاءت اعتباطاً، بل جاءت بفضل جُهُود جبَّارة، ومُتواصِلة، ومُضنِية من قِبَل العاملين جميعاً بدءاً من مُوظـَّف الاستعلامات الذي يسهر على سُمعة الوزارة، وعلى سُمعة تنظيم الداخلين إلى الوزارة، كلـُّهم ينتظمون حول ناظم واحد هو إعلاء اسم العراق، والعمل على مصلحة العراق.

الشيء الرائع هو أنَّ باقة الورد هذه التي كنا ننظر إليها بالمُعارَضة بكلِّ ألوانها هي موجودة الآن في الوزارة مِن مُسلِمين وغير مُسلِمين، وسُنـَّة وشيعة، وعرب وأكراد، وديانات مُتعدِّدة إيزديَّة، وصابئة، يُوجَد مُشترَك يجمعنا، ووعي المُشترَك -بالضرورة- يجعل لدينا وعياً.

وزارة الخارجيَّة العراقـيَّة ليست وزارة مذهب مُعيَّن دون بقـيَّة المذاهب، ولا قوميَّة دون بقـيَّة القوميَّات، ولا أيِّ انتماء دون بقـيَّة الانتماءات، الخارجيَّة تتسع بكلِّ مجالاتها لكلِّ العراقـيِّين، وتعتزُّ بهم، ولا تـُفرِّق بين أحد من مُوظـَّفيها.. نعم، تـُفرِّق بين المُواطِن الكفوء، وبين الأقلِّ كفاءة، والمُواطِن الأمين وبين المُتعثـِّر.. هذا مقياس طبيعيّ معمول به في دول العالم.

العراق حقـَّق إجماعاً عربيّاً، وأصبح الموقف العراقيُّ من دخول القوات التركيَّة الذي حصل قبل سنتين ليس فقط أمام حجم عراقيّ، بل أمام حجم عربيّ، وهذه أوَّل مرَّة في تاريخ الجامعة العربيَّة تتوحَّد كلمة الدول العربيَّة مثلما قال الأخ أمين عامّ جامعة الدول العربيَّة السابق (نبيل العربيّ).

كما تمّ إصدار قرار في مجلس الأمن ضدّ الإرهاب، وتجفيف منابعه، وقد بذلنا جُهداً، ولانزال؛ من أجل تجريم الفكر الإرهابيِّ، وجعله جريمة في الأصل، ويجب أن تـُجرَّمَ المدارس، والأدوات الإعلاميَّة التي تـُروِّج له، وفي الوقت نفسه إدراج الأهوار في منظمة اليونسكو؛ ممَّا يعني أنـَّنا أمَّناها، ووفـَّرنا لها حماية من الانتهاك.

مكانة العراق اليوم في المحافل الدوليَّة مُحترَمة، والخطاب العراقيّ مسموع، ومرئيّ خُصُوصاً أنَّ الشغل الشاغل للعالم هو الإرهاب، والموقف الناجح، والمُبارَك الذي حصل من قِبَل الحكومة بكلِّ مُكوِّناتها إذ حقـَّق لنا رصيداً ليس قليلاً.

وحدة الفهم السياسيِّ للفصائل السياسيَّة المُختلِفة، إذ لا يختلفون على قضيَّة شجب الإرهاب، وضرورة بذل الجُهُود من قِبَل الجميع؛ لإعادتها إلى حاضنة البلد الأمُّ، وهو العراق الذي يجمع العربيّ، والكرديّ، والتركمانيّ، والسنيّ، والشيعيّ.

وحدة الخطاب السياسيّ كانت عاملاً أساسيّاً مثلما كنا في المُعارَضة، إذ كنا نـُركـِّز على نقطتين فقط: العمل حتى تغيير نظام المقبور صدام حسين، والبديل الانتقاليّ هو صناديق الاقتراع خُصُوصاً أنَّ النظام ما فرَّق بيننا في القتل، والإعدام، والتشريد، وكذا الإرهاب عمل الشيء نفسه، ولم يُفرِّق في توزيع جُرمه على العراقـيِّين جميعاً.

تعلمون ما حصل سنة 1988 في حلبجة، والأنفال من ضرب كلتا المدينتين بالكيمياويّ، وبالمُناسَبة لا يقبل العالم الاعتراف به في ذلك الوقت، و2003 بعد سقوط النظام يعترف علي حسن المجيد في التلفزيون، ويقول: أنا ضربتُ بالكيمياويّ، ولو يـُعاد الأمر أضرب مرّة أخرى.

منذ سنة 1988 إلى عام 2003 هي 15 سنة، والعالم ساكت.

هل هذا هو الحياد؟!

هل هذه هي الإنسانيَّة؟!

نظام المقبور صدام بطش بمحافظات الوسط، والجنوب، محافظات الشيعة، وقام بقتل 365 ألف مُواطِن عراقيٍّ دفنهم أحياءً، وهذه الرقم هو ضعف ما خلـَّفته قنابل هيروشيما وناكازاكي إذ راح ضحيتها 160 ألفاً.

365 ألف مُواطِن يموتون بطريقة هي أبشع من السلاح الذريّ؛ لأنَّ الذريَّ يقتل في غضون لحظة واحدة إذ رفع درجة الحرارة في هيروشيما إلى مليون درجة مئويَّة، وذابت المُدُن، ولكن في المقابر الجماعيَّة يضع امرأة حاملاً، وطفلاً، ويهيلون عليهم التراب.

لم يحدث هذا في العالم كلـِّه!

بل إنَّ العالم أصابه الخرس، وما تكلم، وكذلك الحال في الأنبار حيث الانتفاضة للشهيد محمد مظلوم؛ إذن كلُّ أبناء الشعب العراقيِّ عانوا ما عانوا.. حُرُوب من جانب، وحُرِمُوا جميعاً من الثروات، ودفعوا ضريبة، وثمن هذه الإنجازات من جانب آخر.

هذه الإنجازات ليست من صناعة شخص، ولا من صناعة كتلة مُعيَّنة، وإنـَّما هي من صناعة كلِّ العراقـيِّين، ويجب أن يُحافِظ عليها العراقـيُّون كلـُّهم.

نحن لا نـُنكِر وُجُود أخطاء في التجربة، لكنَّ الخطأ يُحفـِّزنا على أن نعمل من أجل مُعالجة هذه الأخطاء، والحفاظ على وحدة العراق، وسيادته.

أتطلع أن تبدأوا بكلِّ جدِّية بالقراءة، والثقافة..

الثقافة تزيد من حجم أدائك السياسيِّ.. بثقافتك، وبأدائك، وجدارتك تبرم علاقة، وتعيش الدبلوماسيَّة نمطيَّة سُلـُوك دائماً من أقرب الناس إلى أبعدهم تنمو عندك هذه المَلـَكة.

كونك تحصل على شهادة لا يعني أنـَّك أصبحتَ سياسيّاً؛ السياسة مُمارَسة، وتطويع الواقع بمشاكله، ووضع الحُلـُول لها، ومُحاوَلة العُبُور من ضفة المُشكِلة إلى ضفة الحلِّ.. هذا سيعتمد -إلى حدّ كبير- على جدارتكم، وقدرتكم.

قد نستطيع أن نأتي بطبيب، ومهندس من الخارج، لكن لا نستطيع أن نأتي بسياسيٍّ؛ لأنَّ السياسيَّ ما لم يكن معجوناً بتراب الوطن، ويُضحِّي من أجله لا يستطيع أن يُؤدِّي مَهمَّته.. السياسيُّ يجب أن يكون مُتشبِّعاً بروح الوطنيَّة..

أتمنـَّى لكم كلَّ الكفاءة، والقدرة، والقابليَّة، وأتطلـَّع أن تـُبحِروا في مجال المُمارَسة السياسيَّة من شاطئ كونكم خِرِّيجين؛ لتصلوا إلى المُستوى القياديِّ، ونرفع رُؤُوسنا بقدراتكم، وقابليَّاتكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..