كلمة وزير الخارجية في اجتماع التحالف الدولي ضد داعش في نيويورك

2017/09/24 | المكتب الإعلامي |
4530

 

\

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله..

ابتداءً أتقدَّم بجزيل الشكر، ووافر التقدير للسيِّد ريكس تيلرسون وزير خارجيَّة الولايات المتحدة الأميركيّة لدعوته في هذا الاجتماع، والحُضُور..

ما بين الشهر التاسع 2014 إلى الآن الأحداث التي توالت على الأرض العراقـيَّة يُمكِن أن تـُشكـِّل نصراً كبيراً لكلِّ دول العالم، وليس فقط للعراق؛ لأنه ساحة مُواجَهة، وإنـَّما للإرادة الدوليَّة التي أبت إلى أن تحقق ما حققت ذلك؛ لذ فالفرحة لنا ولكم جميعاً وليس للعراقيين فقط.

بداية دعونا نـُطالِع بين قبل ثلاث سنوات عند تشكيل التحالف الدوليِّ وإلى الآن كانت المدفعيَّة على أبواب بغداد، وكانت ثلاث محافظات في قبضة داعش: (صلاح الدين، والأنبار، والموصل)، وزادت الهجمات المُتطرِّفة في مناطق أخرى كديالى، ومنطقة حمرين، وكثير من المناطق.

كلـُّها كانت تـُشكِّل تحدِّياً حقيقيّاً لامتداد داعش إلى المنطقة، ويقتلون الأبرياء من الأطفال، والنساء، والشيوخ، وينتهكون الحرمات.

اليوم بعد هذه الرحلة، وخُصُوصاً في الأشهر الأخيرة لهذا العام بالذات عام 2017 شهدت وتيرة الأحداث ارتفاعاً حادّاً، وحالة من الصعود، والبطولة التي بذلتها القوات المسلحة العراقـيَّة؛ فكان من شأنه أن يُحقـِّق ما حقق بطريقة أستطيع أن أقول: إنَّ التجربة التي حصلت في العراق هي تجربة رائدة تصلح في كلِّ بُؤرة توتـُّر يحاول العدوُّ الإرهابيُّ أن ينشر ظاهرة الرعب.. بهذه الطريقة أصبحت منطقاً للمُواجَهة، وليس معركة في داخل العراق فقط.

إخواني الأعزاء..

المجازر التي توالت شملت كلَّ العراقـيِّين: مجزرة سبايكر، وقتل الإيزديِّين، وسبي الايزديات، وقتل التركمانيَّات، وطرد المسيحيِّين من مدينة يسكنونها أكثر من ألف سنة في العراق، وتدمير دور العبادة، وتدمير الآثار، وتهجير أكثر من خمسة  ملايين عراقيّ.. كلُّ هذه الجرائم ارتكبتها داعش في وضح النهار، أمَّا الآن فنحن على أبواب وضع جديد بعد انتصارات عسكريَّة تاريخيَّة شاركت، وضحَّت فيها كلُّ فصائل القوات العراقية وبدعم، ومُساندة قوات التحالف استعادت القوات العراقـيَّة سُمعتها، وشعبيتها، وعملت سويَّة جنباً إلى جنب، فقد تمَّ تحرير مناطق شاسعة، ومُدُن مُهمّة من الموصل بعد أشرس المعارك، وقد باشرت السلطات العراقـيَّة مدعومة بالمنظمات الدوليَّة بتقديم المُساعَدات الإنسانيَّة.

تعلمون أنَّ مدينة الموصل مدينة استثنائيَّة -أنا لستُ من الموصل، لكني خِرِّيج كليَّة الطبِّ من جامعة الموصل، وعشتُ فيها ثماني سنوات ونصف، فأعرفها جيِّداً زقاقاً زقاقاً- مدينة عامرة تاريخيَّة بُنِيَت عبر مئات السنين منذ زمن نور الدين الزنكي، أي: قبل أكثر من 800 سنة، والآن تحوَّلت إلى دمار.

الموصل مدينة التجار، مدينة الأطباء، مدينة الحدباء، مدينة العسكريِّين، مدينة أصحاب الاختصاص كانت مُبتسِمة، وتـُسمَّى أم الربيعين؛ لأنَّ فيها ربيعين في السنة الآن مُدمَّرة؛ لذا نحتاج بمقدار ما فكرنا كيف نـُحرِّر الموصل أن نعمل بعد تحريرها.

كلُّ دول العالم التي دُمِّرت في التاريخ دُمِّرت بسرعة، وأُعِيْدَ بناؤها في وقت طويل، ليس من السهل إعادة كلِّ مدينة؛ لذا يجب أن نفكر كثيراً ماذا بعد تحرير الموصل إلى جانب الأنبار، وصلاح الدين.

كانت كلفة التحرير غالية، وعالية جداً، فقد كلفت عدداً كبيراً من الشهداء من مُختلِف فصائل الجيش، والشرطة، والحشد الشعبيِّ، والبيشمركة، وقوات مكافحة الإرهاب كلـُّهم سويَّة تفانوا من أجل تحرير الموصل.

لا أنسى أن أؤكـِّد على دور التحالف الدوليِّ إذ قاموا بدعم العراق، وأمَّنوا لنا غطاءً جوِّيّاً، وفي أكثر من مرّة ساعدونا في مسألة الدعم اللوجستيِّ، وتوفير المعلومات، وهذا شرف لنا أنه ليس فقط القوات في داخل العراق اتفقت، وتوحَّدت، بل اتفقت، وتوحَّدت القوات الدوليَّة كلـُّها، وهذه أوَّل معركة تجتمع فيها كلمة الفرقاء جميعاً من كلِّ دول العالم صوب المعركة في العراق، وقد حققوا ما حققوا، وما كان لهذا أن يكون لولا وحدة الصفِّ العراقي في الداخل، ووحدة الموقف الدوليِّ في كلِّ الدول.

هذا يجب أن أسجِّله عِبْرَ مُتابَعتي، وثقافتي في الاطلاع على موسوعة الحُرُوب.

من جانبنا نـُؤكِّد أننا سنـُحرِّر أراضينا بعد الموصل، وتلعفر الآن دور الحويجة، وستتبعه القائم قريباً -بإذن الله-، وسنتواصل في العمل الإنسانيِّ لإرساء الاستقرار؛ وليتمكن كلُّ نازح من العودة إلى دياره.

لا يُوجَد أفضل من النازحين حين يعودون إلى مدينتهم ويُعيدون بناءها، ولا يُوجَد مَن هو أفضل من العراقيِّ في بناء المُدُن العراقـيَّة، لكنَّ العراقيَّ عندما يعود إلى العراق يُريد مُستشفى لمرضاه، ويُريد مدارس لأولاده، ويُريد سوقاً للتبضُّع؛ حتى نـُشعِرَه أنَّ الحياة عادت طبيعيَّة.

هناك سابقة تاريخيَّة في أميركا بعد الحرب العالميَّة الثانية إذ قدَّم ترومن مبدأ، لكنَّ وزير خارجيَّـته قدَّم شيئاً أهمَّ من مبدأ ترومن، وهو مشروع مارشال الذي اختزل المسافة، وأعاد بناء ألمانيا علماً أنَّ ألمانيا هي التي تسبَّبت بالحرب العالمية الثانية، وهي التي ورَّطت العالم، وكلـَّفت العالم خمسة وخمسين مليوناً؛ ومع ذلك مشروع مارشال استهدف ألمانيا، وأعاد بناءها، والآن يجب أن تتضافر جُهُودنا جميعاً لبناء العراق.

من دون شكّ هذا العمل سيتطلـَّب وقتاً ليس قليلاً خُصُوصاً أنـَّه يجب أن نتعامل على عِدَّة مُستويات: أمنيَّة، وسياسيَّة، واجتماعيَّة، واقتصاديَّة، وقانونيَّة.

العراق الآن شبه مُقطـَّع، وهذا سيحتاج وقتاً، وأنا -بصراحة- أقول لكم: مثلما ضربتم نموذجاً رائعاً في التعاون مع العراق لإنقاذه، وللتغلب على داعش، وقد سجَّلتم انتصاراً عليكم أن تضربوا مثلاً آخر، هو الجناح الثاني، وهو الاقتصاد، والإعمار، والبناء؛ بغير هذه الحالة سيبقى العراق يُعاني، وستبقى داعش تستفيد من هذه التجربة.

يجب أن نعمل بالتوالي، وقد تمَّ بإرساء إحدى الركائز القانونيَّة لعملنا إذ اتخذ المُجتمَع الدوليُّ بالإجماع قراراً لمساندتنا في فرض القانون، ومُلاحَقة، ومُحاكَمة مُرتكِبي أبشع جرائم القرن الحادي والعشرين، ومن دون شك أنَّ العمل السياسيَّ سيتطلب مُساهَمة كلِّ الأطراف المعنيَّة، وسترون ذلك حين يقوم العراقـيُّون باختيار مُمثـِّليهم في انتخابات حُرَّة تـُجرى رغم الصُعُوبات في موعدها الدستوريِّ.

إنَّ الانتخابات هي أهمُّ أداة تصحيحيَّة يمتلكها المُواطِن، وهي أحد مفاتيح المصالحة الوطنيَّة، لكني هنا أودُّ التركيز على عمليَّة إعادة الإعمار، وما يتطلـَّب ذلك من عمل على المُستوى الاقتصاديِّ، فقد تحمَّل العراق عبئاً عسكريّاً ثقيلاً نيابة عن العالم كلـِّه، ودفع ثمناً باهظاً من خسائر إنسانيَّة، وحضاريَّة، ومادِّيَّة لا يُمكِننا تعويض الخسائر الإنسانية، وكيف نـُعوِّض ملامحنا الحضاريَّة التي دمَّرها داعش، ولا أذكر هنا سوى اثنين منها، مرقد النبيّ يونس، والمنارة الحدباء ذات الألف ربيع تقريباً التي كانت رمزاً لمدينة الموصل.

نحن في مدينة نيويورك، وأهلها يعلمون جيِّداً عمَّا أتحدَّث، لكن يجب علينا بناءً على ما دمَّرته داعش، والحرب ضدَّها من دُور سكن، وجُسُور، وطرق، ومستشفيات، ومدارس، وجامعات، وأنا أؤكـِّد لكم أننا سنـُعِيد بناء جامعة الموصل كما أعدنا جامعة تكريت بجهد تضافرت فيه الجامعات من سائر المحافظات العراقـيَّة.

لا يسعني هنا إلا أن أؤكـِّد أنَّ الدور الذي يُمكِن أن يُقدِّمه التحالف لدعم عمليَّات إعادة إعمار المناطق المُحرَّرة لا يقلّ أهمِّـيَّة في دعم قواتنا المسلحة.

أشير هنا إلى المُؤتمَرات التي عُقِدَت لدعم العراق بعد ظُهُور داعش ابتداءً في باريس قبل ثلاث سنوات شاكراً كلَّ مَن أقامها، وكلَّ مَن ساهم فيها، وأودُّ جذب اهتمامكم بالمُؤتمَر الذي سيُعقـَد بضيافة دولة الكويت الشقيقة في مطلع العام المقبل لدعم إعمار المناطق المُحرَّرة في العراق إذ أتطلع إلى مُشاركتكم فيه بشكل فعَّال، وأنا واثق من هذه المُشارَكة؛ لأنـَّكم تدركون أنَّ دعم العراق في هذا المجال سيمنع الظروف التي أدَّت إلى ظُهُور داعش؛ ممَّا يُساهم في إرساء السلم بالمنطقة.

في ختام كلمتي أودّ أن أبدي تفاؤلي بما رأيته من عمل مُشترَك، وتوافق واضح بين سائر الدول المُحِبَّة للسلام على دعم العراق في حربه ضدَّ داعش.

إنَّ التوافق شيء مُهمّ، ولولا توافقنا، وما تضافرنا عليه لما استطعنا تحقيق انتصاراتنا.

هناك توافق دوليّ آخر أودّ التأكيد عليه، وهو موقف دول العالم من الاستفتاء المُزمَع إجراؤه في إقليم كردستان العراق في 25 أيلول الجاري، وهو موقف مُتحفـِّظ، بل رافض له؛ لأنَّ هذا الإجراء اللادستوريَّ سيُؤثـِّر سلباً في المعركة ضدَّ داعش.

موقفنا نحن -العراقـيِّين- هو إنـَّنا نرفض هذا الأجراء؛ لأنـَّه يمسُّ بوحدتنا، وسلامة أراضينا، ويُهدِّد استقرار المنطقة، ويتناقض مع الدستور الذي صوَّتنا عليه جميعاً، وهو القانون الأعلى في البلاد، وفي الوقت نفسه من شأن هكذا خطوات أن تعطي الفرصة أكثر فأكثر لأعدائنا حتى يسترجعوا أنفاسهم، ويحاولوا أن يعبثوا بالعراق.

مرَّة أخرى أشكر لكم هذه المُبادَرة، وتمنياتي لكم بالنجاح، وأشكر وزير الخارجيَّة لهذه الدعوة الكريمة السيِّد ريكس تيلرسون..

شكراً جزيلاً لهذه المُبادَرة..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.