وزير الخارجية يلقي محاضرة في المعهد الدبلوماسي لوزارة الخارجية القطرية

2017/11/12 | المكتب الإعلامي |
793

ألقى وزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري محاضرة في المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية القطرية، تحت عنوان (تجربة العراق في مكافحة الإرهاب، وموقف العراق من الأزمة الخليجية).

وقال معاليه: ان العراق الجديد لا يفرق بين دولة وأخرى ويبذل أقصى جهوده من أجل أن يكون عامل إرساء أمني واقتصادي وسياسي بيننا وبين أشقائنا، وإذا كان لكل مؤسسة من فلسفة فالدبلوماسية بلا فلسفة جسم عائم تائه، والعسكريَّة بلا فلسفة لا قيمة لها، مضيفا : نحن نعتقد أن فلسفة الدبلوماسية هي إخماد الحرائق، برم العلاقات مع الدول كافة، وإنشاء علاقة ثنائية مع كل دولة بدءاً بدول الجوار الجغرافي وامتداداً إلى بقـية الدول وتقوم على أساس المصالح المشتركة وأحياناً مواجهة المخاطر المشتركة.

وتابع: ان العراق مستعد لممارسة دوره مع عدم التدخل في شؤون الآخرين، بل يحاور حوار الصديق الواثق الواعي للمشترك مع الآخرين، عندما نعي المشتركات بيننا سنهتدي إلى أننا نستطيع أن ننسج شيئاً بيننا، وحان الوقت لأن نصل إليه.

واكد الدكتور الجعفري: ان أي بادرة سوء تحاول أن تـُطوِّق أيَّ دولة من الدول العربيَّة لا نبارك بها، بل نقف بوجهها، ونعمل على حلـِّها فما يجمعنا بالدول العربيَّة أكثر بكثير ممَّا يُفرِّقنا؛ لذا لا نقبل بأن تـُطوَّق أيَّ دولة من قِبَل الدول الأخرى.

 

ادناه النص الكامل لمحاضرة الدكتور إبراهيم الجعفري وزير الخارجية التي الاقاها في المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجيَّة القطريَّة بعنوان (تجربة العراق في مكافحة الإرهاب، وموقف العراق من الأزمة الخليجيَّة) :

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة، والسلام على محمد وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وعلى صحبه المُنتجَبين، وجميع عباد الله الصالحين..

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

بموفور السُرُور، والسعادة أجلس في هذا المعهد الدبلوماسيِّ المُبارَك الذي أعتقد أنـَّه يحمل مَهمَّة هي الأقرب إلى مَهمَّة الأنبياء، والرُسُل، والصالحين إذا التزم الدبلوماسيُّون بقِيَم الدبلوماسيَّة حقاً، وحقيقة.

العالم اليوم يعيش أزمة سياسيَّة، أزمة أخلاقيَّة، أزمة إعلاميَّة.. نحن اليوم بأمسِّ الحاجة لتحريك المُفاعِلات الدبلوماسيَّة لحلِّ الأزمات.. ما أكثر الأزمات!

دول العالم أكاد أقول: لا تـُوجَد دولة في العالم إلا وفيها أزمة امتدَّت جغرافيّاً بآفاق الدول من دون استثناء، وتاريخيّاً بدأت منذ وطأ آدم -عليه السلام- بقدميه أديم الأرض جاءت المصائب معه، رُبْع العالم اغتال رُبْع العالم بحُضُور نصف العالم: هابيل، وقابيل، وآدم وحواء، قتل هابيل قابيل، وبدأ الصراع منذ اليوم الأوَّل، رُبْع العالم قتل رُبْع العالم بشهادة نصف آدم وحواء.. هذه هي الحقيقة المُرَّة، وتتكرَّر عمليَّة العراك، والصراع، والاقتتال، والتآمر على سطح الأرض، لا يُوجَد يوم تخلو الأرض من المشاكل، لكننا ينبغي أن نكون عنصراً يُغلـِّب عناصر الخير، ونـُطوِّق الشرَّ بأضيق دائرة مُمكِنة.. هذا نستطيع أن نفعله، أمَّا أن نجعل الأرض خالية من كلِّ مُشكِلة فهذا دعاء لا يُستجاب، وحلم لا يتحقق.

اليوم بدأت شُعُوب العالم -الحمد لله- تتيقـَّظ، وتتطلـَّع لنشر ألوية العدالة، وتحقيق الإنصاف، وأمان الشُعُوب، ويجب أن نقف جميعاً مُتكاتِفين مُتآزرين معهم.

العالم اليوم اختلف عن قبل، فوَضْعُ المرأة اختلف نسبيّاً عن قبل، ووضع إرادة الشُعُوب اختلف عن قبل، وإن كان لايزال بعيداً عن مُستوى الطموح، لكنَّ العالم اليوم يتطوَّر، كنا بالأمس القريب نعاني، ولطالما كرَّرتُ في بعض خطبي أنَّ العراق في الوقت الذي يأتي بأكثر من 80 سيِّدة في البرلمان العراقيِّ يعيش إلى جواره بعض الدول لا تعترف بالمرأة، ولا تسمح لها أن تسوق سيارة.. هذا تقليد بائس موجود شئنا أم أبينا، لكنَّ العالم الآن بدأ يتطوَّر قليلاً قليلاً، ويتطلع، ويصنع شيئاً جديداً.

هذه التراكُمات من عُقـَد الماضي، وقُلْ مثل ذلك عندما عانى العالم من أزمة الألوان.. هذا الإنسان أسود، وهذا الإنسان أبيض.. نعم، اختلف العالم اليوم، وهو غير ذلك العالم، لكن لايزال بعيداً، ولايزال يحتاج أن ندفع الدبلوماسيِّين، والإعلاميِّين، والسياسيِّين أكثر من غيرهم ليتحمَّلوا مسؤوليَّة اختزال زمن الصعود، والارتقاء بالعالم إلى مُستوى الطموح.

الإرهاب في العراق بدأ منذ زمن بعيد، وقد كُتِبَ على العراق أن يُعاني من بعض الحكومات، ومن بعض الطغاة الذين جثموا على صدره الحبيب، وأساؤوا له، أحد النماذج كان الحجاج بن يوسف الثقفيّ، وقبله، وقبله، وبعده، وكذلك كثير من دول العالم، لكنَّ ذروة الإرهاب بلغت -أنا أتكلم عن إرهاب الدولة، إرهاب الحكومة- في زمن المقبور صدام حسين، وكان العالم كلـُّه سادراً في نوم عميق عمَّا يجري في العراق، فلا يدري أنَّ الأكراد في العراق استـُخْدِمَ بحقهم الكيمياويِّ في حلبجة والأنفال، وفقدوا في حلبجة أربعة آلاف إلى خمسة آلاف شهيد فيهم أطفال، وفي الأنفال أضعاف هذا العدد، والثورة الشعبانيَّة التي حصلت عام 1991 فقدنا فيها  ثلاثمائة وخمسة وستين ألف شهيد بطريقة -في تقديري- كانت أخطر من هيروشيما وناكازاكي.

وقفت على أطلال هيروشيما، وكتبتُ من هناك رسالة اسمها (هيروشيما المُبتسِمة) أحسستُ كيف أنَّه في تلك الدقائق بلغت درجة الحرارة مليون درجة مئوية، فصهرت كلَّ ما فيها، لكنَّ عدد الذين قـُتِلوا فيها يتراوح بين 160 أو 170 ألف، أمَّا الثورة الشعبانيَّة فقد قـُتِلَ ثلاثمائة وخمسة وستون ألف إنسان؛ وباعتباري طبيباً فإنَّ الذرِّيَّ لا يُعطيك مجالاً لأن تـُفكّر، مليون درجة مئويَّة في أقلَّ من جزء الثانية ينتهي كلُّ شيء، لكن أن يُهال عليك التراب، وتراه أمامك، ويدك مشدودة من الخلف، وأنت في الحفرة، ويُهال عليك التراب، نساء، ورجال، وحوامل، وأطفال.. إلى الآن أتذكّر إحدى العوائل تبحث عن طفلها في مدينة كربلاء -وأنا من مدينة كربلاء- بعد فترة عثروا على ملابس بالية جاؤوا يُشخِّصون الولد، فقالت لهم أمُّ الولد: ابني كان في ثوبه كرات زجاجيَّة نحن في العراق نسمِّيها (دعبل)، فبحثوا وجدوا الدعابل في جيبه..

هؤلاء الذي استهدفهم صدام حسين بطل العُرُوبة، وحامي الأمة العربيَّة، والجناح الشرقيّ، هو هذا صدام حسين الذي قتل، وقتل، وقتل، ولم يعرف شيئاً إلا القتل، والعالم كلـُّه كان يرى بأمُّ عينيه، وأُصِيْبَ بالصمم، ولم يقف أحد إلى جانبنا، ولم يستنكر أحد، وما كنا نتمنى أن يحدث لغيرنا ما يحدث في العراق؛ لذا سنبقى نشهر أقلامنا، وكلَّ ما لدينا من إمكانيَّة لدعم أيِّ بلد مظلوم، وأيِّ بلد يتعرَّض لحصار؛ لأنـَّنا ذقنا ويلات الحصار، ونعرف ماذا يعني الحصار.

ما وقف صدام حسين عند هذا الحدِّ، بل أمعن، وجاء بالإرهاب الجديد، إرهاب المجاميع، هذه المجاميع الذي ترونها.

أرجو أن تتأمَّلوا ما حصل في العراق؛ حتى نمنع تكراره، نحن لا نستطيع أن نمسح ما حدث في التاريخ، لكننا نستطيع أن نمنع تكراره، ونعتبر بالتاريخ.

التاريخ يُريد منا أن ننفتح على مدرسته، ونقرأه؛ من أجل منع تكرار الظلم؛ عندئذ نكون طلاباً أوفياء للتاريخ، ويكون التاريخ مستقبلاً، وليس ماضياً، وننظر إلى الأمام، ولا ننظر إلى الخلف.

يشتبه مَن يتصوَّر أنَّ التاريخ مضى، بل التاريخ قادم، والذي يُريد أن يقرأ المستقبل، بل يصنع المستقبل عليه أن يُدرك هذه الحقائق: استحضار التاريخ، ووعي الحاضر؛ حتى نستشرف المستقبل.

كيف نصنع المستقبل؟

المستقبل نصنعه عندما نستحضر التاريخ، ويلاته، وما حدث فيه، انتصاراته، وفشله، وحُرُوبه، وكلّ شيء، ونعي واقعنا؛ عندئذ سيُولـِّد لدينا ملكة تلقائيَّة.

القراءة المستقبليَّة للتاريخ هي قراءة علم اجتماعيَّة، أعني: أن نربط بين الأسباب والنتائج.. فإذا تكرَّرت الأسباب نتنبَّأ النتائج، وإذا تنبَّئنا النتائج لا نطفو على سطح الأحداث، بل نصنع الأحداث.

المجاميع الإرهابيَّة لم تأتِ منا فقط في الشرق الأوسط، فإذا قرأنا التاريخ بناءً على هذه الكلية التي قدَّمتها لكم، ورجعنا مثلاً إلى القرن السابع عشر 1618 إلى 1648 إذ بدأت حُرُوب طائفيَّة بين الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا سمَّوها حرب الـ30 عاماً، واكتسحت ألمانيا، ثم عبرت من الداخل الألمانيِّ إلى الخارج الألمانيِّ، فصارت أوروبيَّة قـُتِلَ فيها عدد كبير جدّاً، وجاء هيغل يكتب الدستور الألمانيَّ عام 1802 قال: صحيح أنه من 1648 إلى 1802 انتهت أكثر من مئة سنة، ولكن بقيت ويلات، وبصمات، وآثار حرب الـ30 عاماً لم تنتهِ.. نعم، تستطيع أن تـُؤرِّخ انتهاء الحرب، لكن لا تستطيع أن تـُؤرِّخ آثارها المُدمِّرة التي تنتقل عِبر الأجيال.

نحن في العراق واجهنا حُرُوباً مُتعدِّدة، منها: في منطقة كردستان، وفي منطقة الوسط، والجنوب، غير قوائم الإعدام، وحفلات الإعدام التي كان يقيمها المقبور صدام.

الإرهاب الجديد هو إرهاب الدواعش إرهاب من نوع لم يعهده العالم من قبل، ولم يرَ أحد مثله من قبل، فلا يُوجَد في العالم أب يقتل ابنه، وولد يقتل أمَّه، حتى الحيوانات لا تفعله باستثناء العقرب لسبب غير معروف عندما تتفقس البُيُوض تأكل أمها، هذه حالة استثنائيَّة ماعدا ذلك حتى الحيوانات لا تفعله أبداً.

هذه ثقافة جديدة جاءتنا مع داعش.. المأساة أنها ارتبطت بالدِين، والدين منها براء، وعاثت في الأرض الفساد، قتلت، ودمَّرت، واكتسحت، واتسعت، وجرى ما جرى البارحة كنتُ مع اثنين من السادة السفراء، وأريتهم مشهداً في هاتفي إذ يقوم خمسة من كبار السنِّ الدواعش بيدهم بنادق كلُّ واحد منهم صوَّب بندقيته إلى رأس ابنه؛ لأنه لم يقبل بالانضمام إلى داعش..

هي هذه الثقافة؟!

هل نتشرَّف بثقافة كهذه؟!

هل هذا إسلامنا، وتاريخنا، وفكرنا، وعاداتنا، وتقاليدنا؟!

إسلامنا العظيم يُحرِّم على الإنسان على نحو الكراهة أن لا تذبح الحيوان الذي تربِّيه في بيتك؛ حتى لا تتعوَّد تربّي شيئاً، وتجرؤ على قتله، فكيف إذا كان الضحيَّة ابنك؟!

هذا، والعالم -للأسف- العالم سادر في نومه.

تـُوجَد نظريَّة أعتقد بصِحَّتها، ولو إلى حدّ ما: إذا غابت علينا هُويَّة الجاني فلننظر إلى هُويَّة الضحيَّة.

أتخموا الإذاعات، والتلفزيونات، والخطب عن القدس، وفلسطين، والكرامة.

لماذا لم يُعطِ هؤلاء الذين يدافعون عن فلسطين شهداء في فلسطين؟!

هذه فلسطين تـُناشِدكم لماذا لا تذهبون؟!

لماذا تركتم الشعب الفلسطينيَّ أعزل؟!

هذا هو العالم الذي نعيشه الآن.

ما قيمة الدبلوماسيَّة، وما قيمة السياسة، وما قيمة الدول إذا لم تـُنصِف حقّاً، وتدحر باطلاً؟!

مَلأْنَا الْبَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا     كَذَاكَ الْبَحْرُ نَمْلَؤُهُ سَفِيْنا

إِذَا بَلَغَ الرَّضِيْعُ لَنَا فُطَاماً     تَخِرُّ لَهُ الْجَبَابِرُ سَاجِدِيْنَا

الإرهاب أخذ أطواراً مُتنوِّعة، فبعض الأحيان نحن نواجه إرهابيّاً بالسلاح، وبعض الأحيان نواجه إرهابيّاً بالكلمة، وبالثقافة.

كلُّ شيء من حولنا تعبير عن ثقافة، الكلمة تـُنجب موقفاً:

((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا))..

كلمة تبني إنساناً، وتبني دولة، وكلمة تـُشعِل فتناً، وتـُدمِّر، وتـُحطـّم، وتُبدِّد الاقتصاد، وكلَّ شيء؛ لذا أخاطب أصحاب الكلمة بأنـَّهم يجب أن يرتقوا إلى مُستوى كلمتهم.

الدبلوماسيُّون دون غيرهم معنيُّون بإخماد الفتن، والحُرُوب، وبناء حضارة جديدة، قد تكون هناك معاهد جديدة بُنِيَت، لكن هل الدبلوماسيّ معزول عن بنائه الداخليِّ، عن تاريخه، عن تراثه؟

قبل أن تفكروا بالمعهد الدبلوماسيِّ أنتم تنتمون إلى حضارة نبضت عُرُوقها بالدبلوماسيَّة، الله -عزَّ وجلَّ- يقول: ((فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ))

رغم أنَّ فرعون يقول: ((فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)) الله -عزَّ وجلَّ- وجَّه له خطاباً حانياً به، هذه مسحة دبلوماسيَّة.

نحن نـُجِيد فنَّ الصراخ فقط -للأسف الشديد- قنواتنا التلفزيونيَّة تفكّر كيف تُؤجِّج، وكيف تسعِّر الخلافات البسيطة حتى أصبحت صارت.

نحتاج دبلوماسيِّين ثواراً، وأحلى شيء بالمثقف أن يكون مُناضِلا، ومُستعِدّاً لأن يُضحِّي، وأحلى شيء بالمُناضِل أن يكون مُضحّياً، وأحلى شيء بالمُضحِّي أن لا يضع حدّاً للتضحية حتى إذا اقتضى الأمر أن يُقتـَل؛ عندئذٍ ترتقي الكلمة.

لدينا عدد كبير من الإعلاميِّين العراقيِّين إلى جانب إخوانهم الإعلاميِّين العرب استشهدوا في ميادين المعارك، لدينا بنت -رحمها الله- اسمها أطوار بهجت كانت مُذيعة في إحدى القنوات قُتِلت، هدَّدوها، ثم اختطفوها، ثم قتلوها.

لعلكم تتوقـَّعون مني التعليق على موضوع الأزمة الأخيرة (الأزمة الخليجيَّة).

هذه حالة رُبَّما كانت أسبابها غاطسة في وقت ما، ثم بدأت تطفو على السطح إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه، فلا يُوجَد شيء جديد، وإنـَّما يُوجَد شيء مغمور، ثم بدأ يطفو على السطح، وبرز.

أحبُّ أن أثبت أنَّ العراق الجديد لا يُفرِّق بين دولة وأخرى، ويسعى، ويبذل أقصى جُهُوده من أجل أن يكون عامل إرساء أمنيٍّ، واقتصاديٍّ، وسياسيٍّ بيننا وبين أشقائنا.

وإذا كان لكلِّ مُؤسَّسة من فلسفة، فالدبلوماسيَّة بلا فلسفة جسم عائم تائه، والعسكريَّة بلا فلسفة لا قيمة لها.

نحن نعتقد أنَّ فلسفة الدبلوماسيَّة هي إخماد الحرائق، برم العلاقات مع الدول كافة، وإنشاء علاقة ثنائيَّة مع كلِّ دولة بدءاً بدول الجوار الجغرافيِّ، وامتداداً إلى بقـيَّة الدول، وتقوم على أساس المصالح المُشترَكة، وأحياناً مُواجَهة المخاطر المُشترَكة.

العراق كُتِبَ عليه أن يرتبط بست دول من حوله، لديها ثلاث لغات: عربيَّة، وفارسيَّة، وتركيَّة، وست أنظمة: جمهوريّ، ودولة ولاية الفقيه، وليبراليّ، وإسلاميّ، وأميريّ، وملكيّ.

نحن نتعاطى معها وفق الثابت الوطنيِّ العراقيِّ والمُتغيِّر الإقليميِّ، نحن لدينا ثوابت نتمسَّك بها، ولا نتجاوزها، وإلى جانب هذا الثابت تـُوجَد مُتغيِّرات.. ما يجمعنا مع تركيا غير ما يجمعنا مع غيرها؛ لذا لا نشعر بوُجُود تناقض في نشر ظلِّ العلاقة بيننا وبين هذه الدول في الوقت الذي نعلم أنه يُوجَد تقاطع حادّ بين السعوديّة وإيران في وقت ما، لكننا أقمنا علاقة بينهم الاثنين، وما حدث ازدواج لدينا بالموقف، نحن نتكلم مع إيران كدولة جوار جغرافيّ، ونتكلم مع السعوديَّة كدولة جوار جغرافيّ، ونتكلم مع تركيا كدولة جوار جغرافيّ، ونتكلم مع سورية كدولة جوار جغرافيّ، ونعلم أنَّ الأربعة كلّ اثنين مُتحاربان مع بعض.. أنا غير مسؤول عن سبب احتراب هذه الدول، وإنما أنا مسؤول كيف أتعامل مع هؤلاء، إن لم أكن جزءاً من حلٍّ ففي الأقلّ أمتنع أن أكون جزءاً من مُشكِلة، أنا مشروع حلّ، ولستُ مشروع مُشكِلة.

نستطيع أن نـُقِيم دعائم العدالة، والعدل الاجتماعيِّ.. هل تـُوجَد في العالم منطقة تزخر بالخيرات كما تزخر منطقتنا.

اقرأوا كتاب نيكسون "أميركا والفرصة التاريخيَّة" يتحدَّث به عن خُصُوصيَّات العالم الإسلاميّ، يقول: هؤلاء عندهم ثلثا احتياطيّ نفط العالم، وعندهم مليار و700 مليون إنسان ثروة ديمغرافيَّة هائلة، عندهم موقع ستراتيجيّ مُلتقى القارّات الثلاث، وعندهم نفط، وماء، لكنَّ الفرقة دخلت بهم، وشتتهم.

وصنـَّفهم على أنـَّهم ينتمون إلى ثلاثة مذاهب سُنّة، وشيعة، ومالكيّة.. طبعاً من غير المعقول أن نيكسون لا يعلم أنَّ المالكيَّة سُنّة، لكنه أخذ التوزيع الآخر؛ حتى يقول: هؤلاء ثلاثة، ولو يستطيعون لجعلونا أربعة، وخمسة، وستة مادامت الفرقة تـُؤثّر فينا.. فالمالكيّة في شمال أفريقيا، بينما الشوافع في دول الخليج، والأحناف في تركيا، والحنابلة في السعوديَّة يُحاولون أن يشتتوهم؛ فيجب أن نعمل على مسألة التقريب.

كم يعرف بعضنا عن البعض الآخر من المُتفَق؟ ولماذا نظلّ نبحث المُختلَف؟

ألستَ تدَّعي أنك مُسلِم، والقرآن الكريم يصدح: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ))، أي: ليس يا أهل القرآن، أي: يا أيُّها اليهود، وأيُّها النصارى ((تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ))..

وعلينا أن نتوافر على فلسفة إدارة العلاقة من موقع الاختلاف.. بثوا في المنطقة الآن أدب الفرقة.

عِدَّة مرَّات صدح العراق بصوته في الجامعة العربيَّة، وقال لهم: أنتم جامعة الدول العربيَّة، وليست مُفرِّقة، ولا جامعة حكام، أو حكومات، بل جامعة دول.

ما الفرق؟

إذا غاب الشعب لا تـُوجَد قيمة لمعنى الدولة، نحن جامعة دول أم مُفرِّقة دول؟

ليس شرفاً لنا أن نـُطوِّق هذا البلد، وذلك البلد، والله أنا ليس لديَّ عقد عاطفيّ مع أحد، ولكن لديَّ عقد قيميّ، وفكريّ، وتاريخيّ، وحضاريّ بأنَّ العراق يجب أن يتكلم بهذا الصوت؛ لأنه أحسّ رُبَّما أكثر من غيره بقيمة التعاطي الحضاريِّ بيننا وبينكم.

العراق ينحدر من مرحلة تاريخيَّة قديمة تجاوزت منذ مطلع الألف الرابع قبل الميلاد، أي: مضى عليه ستة آلاف سنة، وتوجَد دراسات جديدة ستـُفضي به إلى أنَّ عمره يزداد قرابة الألف عام عن ذلك.. العراق ليس أكبر بلد، لكنه أعرق بلد، تجد به التعدُّد المذهبيَّ، وتجد التعدُّد الدينيَّ، وتجد التعدُّد القوميَّ، وتجد التعدُّد العشائريَّ.. هذا التعدُّد لم نُوجـِده نحن بل إنَّ الله خلقه.

أيُّ بادرة سوء تحاول أن تـُطوِّق أيَّ دولة من الدول العربيَّة لا نبارك بها، بل نقف بوجهها، ونعمل على حلـِّها.

ما يجمعنا بالدول العربيَّة أكثر بكثير ممَّا يُفرِّقنا؛ لذا نبَّهنا، وقلنا: إنَّ هذا شيء غير صحيح، ولا نقبل بأن تـُطوَّق أيَّ دولة من قِبَل الدول الأخرى.

لنستفِد من دول أوروبا التي عصفت بها الأعاصير المُختلِفة في القرن الخامس عشر 1429 كانت حرب المئة التي دامت 116 سنة، ولكن للاختصار يقولون عليها حرب المئة عام قـُتِلت فيها هذه الشابَّة المعروفة جان دارك، وعمرها 16 سنة، وكانت تتحلّى ببعض المواهب، وجرت هذه الحُرُوب إلى القرن العشرين حرب وراء حرب.

هذه الحروب لا تجرّ على الشُعُوب إلا الويلات.

ماذا عملت أوروبا حتى استطاعت أن تعبر من ضفة التمزُّق إلى ضفة الوحدة؟.. طارت بجناحين أوّلاً: وحَّدت صفها على أساس الأمن المُشترَك، فجاءت بمشروع الناتو، واتخذوا قراراً بأنَّ الاعتداء على أيِّ بلد من البلدان يُعَدُّ اعتداءً على كلّ أوروبا.

ثانياً: عملوا السوق الأوروبيَّة المُشترَكة، فصارت الخيرات الموجودة في كلِّ بلد أوروبيّ مفتوحة على أسواق أوروبا الأخرى.. فالسيّارة المارسيدس تـُصنَع في "شتوتغارت" في ألمانيا، لكنّها تتحرَّك في كلِّ شوارع أوروبا، والقشطة الدنماركيّة تُوزَّع في كلِّ أسواق أوروبا.

وحَّدوا أنفسهم وهم ديانات مُتعدِّدة، ولغات مُتعدِّدة، وجغرافية مُتباعِدة، وكانت بينهم حُرُوب طاحنة.. ماذا بنا نحن لغة واحدة، ودين واحد، وجغرافية واحدة، وخيرات كثيرة؟!

يُراد لنا أناس أبطال.

العالم ينتظركم، الأجيال القادمة تنتظر مَن يُبحِر في هذه الفرص، والإمكانيّات؛ حتى يُوصِل هذه الأمّة إلى شاطئ الاستقرار -أنا لستُ داعية- أتشرَّف بكوني عربيّاً، لكني لا أؤدلج انتمائي إلى قوميّ، ولا أحد يُنافِسني على انتمائي لقوميَّتي، أنا ابن رسول الله القائل: أنا ليث العرب، وليث العرب مني، لكني أحبُّ كلَّ أمم العالم، وكلَّ لغات العالم، وأعشق اللغة العربيَّة، لكني ما حوَّلتـُها إلى فكر، وعقيدة، هي لغة بديعة، ولطيفة، لغة الثلاثة ملايين مُفرَدة، يكفينا شرفاً أنها لغة القرآن الكريم.

أيّ دولة عربيَّة تتعرَّض الآن إلى حصار على البقـيَّة أن يحسبوا حسابهم اليوم أو غداً أنـَّه ستتهدَّد الدول الأخرى، مَن حُلِقت لحية جارٍ له فليسكب الماء على لحيته، أي: فليستعدَّ لحلق لحيته.

إخواني.. لنستحضر ما يجمعنا مع الآخرين، نستحضر المصالح بيننا وبينهم، ونستحضر المخاطر التي تهدِّدنا..

ما الذي يجمع ستالين أقصى اليسار مع تشرشل أقصى اليمين في الحرب العالميَّة الثانية؟

المخاطر المُشترَكة.. اتفقوا، وواجهوا، وفازوا.

إلى الآن لا يُوجَد لدينا وعي لما يُوحِّدنا.

فالدبلوماسيَّة إذا نريدها عقلاً يُفكّر، وقاعدة تـُموِّل السياسيَّ نرى السياسيَّ قبل أن يأتي ينبغي أن تكون لديه ثقافة.

هذه المعاهد هي التي تـُموِّل الطرف المقابل كيف يتوحَّد، أو -في الأقلّ- كيف يتجنـَّب الفرقة، والحُرُوب.

 

  • شكراً معالي الوزير لهذه المعلومات القيِّمة، والنيِّرة، والمؤثرة، وموقف معاليك الأصيل من قضيَّتنا قضيَّة الحصار، ونسأل الله أن تـُثمِر مساعي العراق، وكما سمَّيتموها: العراق الجديدة لإعادة اللحمة إلى الصفِّ العربيِّ.. هل تـُؤيِّد الرأي الذي يقول: إنَّ جميع الأفكار المُتطرِّفة تستعمل الدين لاستعطاف الناس، لكنَّ لغاية سياسيَّة بحتة؟
  • كيف يُمكِن للعراق أن يتحرَّك في ظلِّ التسوية، أو تصاعُد الأزمة الخليجيَّة؟

الدكتور إبراهيم الجعفريّ: ليس بالضرورة، لكنَّ الجانب السياسيَّ أخذ حيِّزاً كبيراً..

في هذا العالم، عالم الآراء المُتعدِّدة مسؤوليتنا أن نجعل الاختلاف مرتعاً رائعاً لأصحاب الفكر يأخذون، ويمتدُّون.

ما شهدناه مُؤخَّراً واجهة لأمر خطير خلف الستار مُعَدّ منذ زمن لإيقاع هذه الأمَّة، وامتصاص شبابها، وإشاعة الفتنة بينها، وإشاعة القتل، واستهلاك ثرواتها..

هم لا يُشعلون حروباً، ويعطون دماً، ومالاً، بل يُشعِلون فتنة؛ فيقتتل أبناء الدين الواحد.

تـُوجَد إرادة شَرّ من ورائها؟.. الآراء المُتطرِّفة نمَّت ثقافة الحقد، واستباحة الدم، والعِرض، والكرامة، وأوصلت البلد إلى ما أوصلته إليه؛ لذا علينا أن نتعمَّق في فهم فلسفة الإرهاب المُعاصِر، وما يفعله، وإلى أين يُريد أن يُوصِل المنطقة.

الإرهاب يقوم على نظريَّة سمَّيتها (الإرهاب بالترويع) يُروِّع الضحيَّة؛ حتى يبعث الخوف لدى المُتلقـِّين عُمُوماً، هو لا يقتل فقط، بل يقتل، ويُروِّع الضحيَّة.

أيّاً تكن الأسباب سياسيَّة أم غير سياسيَّة فهي تستهدف تدمير الإنسان، وتدمير الحضارة، وقد سبق أن مرَّت بالتاريخ بين فترة وأخرى، وتأخذ دورة تاريخيَّة تظهر ثم تختفي، ثم تظهر مرَّة أخرى.. الخوارج مرّوا بهذه الحالة في زمن الإمام عليّ -عليه السلام- فعلوا ما فعلوا، وقتلوا الإمام عليّاً عليه السلام.

هذه ظاهرة يجب أن تُدرَس دراسة فكريَّة فلسفيَّة صحيحة؛ حتى نضع لها مُعادِلاً نمنع انتشارها، ونمنع تكرارها، ونُنقِذ البشريَّة، أمَّا عن العراق في ظلِّ التسوية، فالعراق يتمسَّك بمبادئ إنسانيَّة، وعربيَّة، وإسلاميَّة، وكلـُّها تلتقي على شيء واحد هو احترام الإنسان، وترويج الحوار عند وُجُود الاختلاف.

نحن ضحيَّة الحرمان من الحوار، قـُطِعت رؤوس إخواننا بالآلاف لا لشيء إلا لأنـَّنا كنا نتعطش للحوار، ولحُرِّيَّة التعبير عن الرأي، فالذي حدث معنا ما تحوَّل إلى عُقدة، بل تحوَّل إلى نزعة خير؛ بأنَّ الذي حدث معنا لا يتكرَّر مع غيرنا؛ لذا نتمسَّك بقوة بضرورة ترويج الحوار عند الخلافات، ولا يُوجَد شيء عصيّ على الحوار.

العراق على أتمِّ الاستعداد لمُمارَسة دوره مع عدم التدخّل في شُؤُون الآخرين، بل يُحاور حوار الصديق الواثق الواعي للمُشترَك مع الآخرين.

عندما نعي المُشترَكات بيننا سنهتدي إلى أننا نستطيع أن ننسج شيئاً بيننا، وحان الوقت لأن نصل إليه.

لو تلتفت إلى الوراء في التاريخ نجد أنَّ وضع المنطقة اختلف عن قبل.. هل تحسُّون أنه يُوجَد فرق بين قطر اليوم عن قطر العام الماضي؟

هل هو أحسن أم لا؟

  • بالنسبة لنا أحسن.

الدكتور إبراهيم الجعفريّ: الذي يخدر، والذي يسكر على مسألة أنَّ كلّ شيء جاهز لا يستطيع أن يرتقي، ولكن عندما يدخل عالماً يصنع بيده ما يعتقد به فقد بدأ عدَّاد التصاعُد.

رسول الله -صلى الله عليه وآله- واجه حصاراً في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، أو أقلّ، وشربوا الماء الراكد، وأكلوا العشب، ثم أخذ الحصار صفة عشائريَّة، لكنَّ الأمَّة بعد الحصار غير الأمّة قبل الحصار، إمَّا أن يكبر الحصار عليها، ويُنهيها، أو تكبر عليه.

يجب أن نُجيد فنَّ التعامل مع الحصار، ولا نعمِّم الدائرة على كلِّ جيل، وعلى كلِّ الناس.

 

  • لديَّ ثلاث نقاط، أوّلاً: بالنسبة للفتنة الطائفيَّة التي عانى منها العراق سنوات عديدة، ما خطة حكومتكم المُوقـَّرة لدرء الفتنة الطائفيَّة سواء عبر الحكومة، أم القوة الناعمة مثلاً في مجال التعليم، أو رجال الدين، والأنشطة.

ثانياً: بالنسبة لوحدة، وسيادة العراق، وسلامة أراضيه هذا مبدأ تكرَّر في كلِّ قرارات مجلس الأمن، والجمعيَّة العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الإقليميَّة، والدوليَّة، والعربيَّة التي يحتلّ العراق العضويَّة فيها، وآخرها كان جامعة الدول العربيَّة في 12 أيلول/سبتمبر، وهناك استحقاق على المُستوى الوزاريِّ قانونيّاً، وأدبيّاً، وسياسيّاً عن وحدة، وسلامة، واستقرار العراق، وسلامة أراضيه، ونحن أكّدنا ذلك في الاجتماع الوزاريِّ في نيويورك.

ثالثاً: بالنسبة لمجالات التعاون السياسيِّ خُصُوصاً في الظروف الراهنة بين قطر والعراق، ماذا ترى الأفضل أن يتمّ التعاون فيه بين دولة قطر وجمهوريَّة العراق الشقيق في مجالات التعاون الدوليّ المُتعدِّدة، أم في مُتعدِّدة الأطراف بالأمم المتحدة، وعبر الاتصالات الثنائيَّة بخاصّة في ظلِّ الأزمة الخليجيَّة الحاليَّة، والاحتقان الشديد في منطقة الشرق الأوسط الذي نعيشه حاليّاً؟

الدكتور إبراهيم الجعفريّ: الثلاث نقاط التي ذكرتها مُهمّة جدّاً.

أمَّا عن الفتنة الطائفيَّة فلا يُوجَد في ثقافة العراقـيِّين، وفي واقع العراقـيِّين شيء اسمه فتنة طائفيَّة، هذه أسمعها خارج العراق.

أنا من مدينة كربلاء، وهي عاصمة التشيُّع في العالم، وخِرِّيج جامعة الموصل أكملتُ فيها دراسة الطبِّ، وهي عاصمة التسنـُّن في العراق عشت معهم كأخ من إخوانهم، وما رأيتُ شيئاً اسمه شيعيّ يُحارِب سُنيّاً، أو سُنيّاً يُحارب شيعيّاً.

لا تـُوجَد مدينة عراقـيَّة إلا وفيها ثنائيَّة مُتعايشة بين السُنّة والشيعة، ولا تـُوجَد قبيلة عراقـيَّة عريقة من تميم، خزاعة، وعبيد ليس فيبها سُنّة وشيعة، والزواج بين السُنّة والشيعة 26.1، يعني أنَّ كلَّ أربعة عراقـيِّين يُوجَد واحد منهم أبوه وعُمُومته من مذهب، وأمُّه وأخواله من مذهب آخر.

أين الطائفيَّة؟

كربلاء عاصمة التشيُّع يُوجَد فيها مجموعة من إخواننا السُنَّة في كربلاء.

أوَّل أيَّام التغيير، وسقوط صدام حسين لعنة الله عليه صاروا يسألون: هل أنت سُنّيّ، أم شيعيّ؟

من أين أتيتم بهذه؟!

انظر إلى البرلمان العراقيّ تجد سُنَّة وشيعة سويَّة في كلِّ الاختصاصات، والحكومة فيها سُنّة وشيعة.

عندما شكّلنا رئاسة الجمهوريّة كان مام جلال الطالباني رحمه الله سُنيّاً كرديّاً، ورئيس البرلمان سُنّيّ عربيّ، ورئيس الوزراء شيعيّ عربيّ.

ما المُشكِلة؟!

نجلس سويَّة، ونتحدَّث سويّة.

لا أتصوَّر عراقاً بلا طوائف، ولكن أريد عِراقاً بلا طائفيَّة.

سلّموا لدى العقل العربيِّ، والإسلاميِّ أنَّ في العراق فتنة طائفيَّة.. هذا ما يتعلق بالنقطة الأولى.

النقطة الثانية: التي هي وحدة العراق، وسلامة أراضيه.

المادَّة الأولى من الدستور العراقيِّ نصَّت على أنَّ العراق دولة سيادتها مُوحَّدة غير قابلة للتجزئة، وعندما أتيتُ إلى جامعة الدول العربيَّة قرأتُ من الدستور العراقيّ المادَّة رقم واحد؛ لذا ضمَّنوا هذا الكلام بقرار الجامعة العربيَّة، واستنكروا عمليَّة الاستفتاء؛ لأنـَّه يمسُّ وحدة العراق؛ وهذا خلاف الدستور، والقانون العراقيّ.

الدستور العراقيّ منح حقَّ الفيدراليَّة لكلِّ المحافظات، ومنحها حقَّ إدارة محليَّة، لكنَّ الاستفتاء لتقرير المصير يتعارض مع مفهوم الفيدراليَّة.

الفيدراليَّة كمصطلح يعني الثقة، فالبلد الذي تتعدَّد فيه المُكوِّنات قد تضعف فيه الثقة، فتأتي الفيدراليَّة؛ لتعيدَ الثقة مرَّة أخرى.. هي هذه الفيدراليَّة.. أميركا أكبر دولة في العالم فيها 50 ولاية، و50 علماً، و50 كونغرساً، و50 حكومة محليَّة، لكنَّ الرئيس واحد، والعاصمة واشنطن.

الإخوان قاموا بمُمارسات غير طبيعيَّة.

رُبَّما تكون فيدراليَّة الهند أكثر عراقة من فيدراليَّة أميركا، لكنّهم مُتعايشون، وصنعوا ثورة رائعة جدّاً، واستطاع أن يُلقـِّنوا بريطانيا العظمى درساً، حتى قال تشرشل: لا معنى لكلمة عظمى لبريطانيا من دون الهند.

وحدة العراق، ووحدة أراضيه للجميع، ونحن متفقون على الدستور، وأدَّينا اليمين عليه؛ لذا أبرزنا هذه الحقيقة.. العالم كلـُّه تجاوَبَ معنا بالإجماع، إجماع الدول العربيَّة، والتعاون الإسلاميّ، ومجلس الأمن.

الفكر الذي يجمعنا سويّة، والقِيَم التي تجمعنا سويَّة، والتاريخ الذي يجمعنا سويَّة، والحضارة التي تجمعنا سويَّة هذه حصيلتها.

النقطة الثالثة: التي هي التعاون الثنائيّ.

كان لي لقاء مع سُمُوِّ الأمير، ومع دولة رئيس الوزراء، ومعالي الأخ وزير الخارجيَّة، ووزير التجارة رأيتهم يُبادِلوننا ذات أحاسيس الحرص على ترويج علاقات من شأنها أن تدرَّ على البلدين العراق وقطر نفعاً اقتصاديّاً، وثقافيّاً..

مجالات الاتفاق كثيرة جدّاً، والمنافع المُتبادَلة كثيرة جدّاً.

العالم اليوم ليس عالم جوار جغرافيّ، بل عالم جوار اقتصاديّ، وجوار مُجتمَعيّ، وجوار مصالح، وجوار تحضُّر.

عالم يجب أن نستثمره، ونواكبه؛ حتى نحقـِّق هذا الشيء.

أمَّا عن التزام الدول العربيَّة بوحدة العراق فأنا شاكرٌ لهم تعاطفهم، وتجاوبهم. طرحْتُ عليهم مسألة التصويت مرّتين، أو ثلاثاً، فأجابوني بلغة الإجماع.

عندما دخلت القوات التركيَّة إلى منطقة بعشيقة في شمال العراق أوصلتُ رسالة إلى مجلس الأمن، وأخرى إلى جامعة الدول العربية، واتخذت قراراً بالإجماع بثلاث نقاط، أوّلاً: استنكرت التدخّل التركيّ، وثانياً: طالبت بالانسحاب، وثالثاً: أكَّدت على عدم تكرار ذلك مُستقبَلاً.. هذا موقف مُشرِّف ساهم به كلُّ العرب بما فيها قطر.. الدول التي كانت مُختلِفة انسجمت مع هذا الشيء، وكلما يكون موقفنا قويّاً يحترمنا العالم أكثر.