وزير الخارجية يشارك في منتدى حوار المتوسط

2017/12/01 | المكتب الإعلامي |
910

شارك وزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري في منتدى حوار المتوسط "روما-ميد 2017" برعاية معهد الدراسات للسياسات الدوليَّة الإيطاليّ  ISPIفي   روما.

والقى معاليه كلمة دعا فيها المجتمع الدولي إلى دعم عمليات إعمار وبناء العراق بعد انتهاء المعارك ضد عصابات داعش الإرهابية، مضيفا: ان التدمير الذي حدث في المدن العراقية يتطلـَّب حملة إعمار وبناء بمساندة المُجتمَع الدولي "فكما وقف موقفاً مُشرفاً إلى جانب العراق، وسانده في مشروع التحالف الدولي ندعو أن يقف إلى جانبه ويسنِده، ويدعم العملية الاقتصادية".

وتابع : ان العراق يدعو المجتمع الدولي لأن يؤدي دوراً إيجابياً في تخفيف التوتـُّر بالمنطقة، عصابات داعش كأيِّ خطر يستثمر مناطق التوتر؛ لذا لسنا بحاجة لفتح أيِّ مُشكِلة في منطقة الشرق الأوسط خاصة في الجوار العراقيّ.

ومضى الدكتور الجعفري بالقول: اننا نتمنى من كل الدول أن تدخل إلى العراق من باب الاستثمار والإعمار والبناء، وتستطيع أن تستفيد هذه الدول من الاستثمارات في السوق العراقـيَّة، وتعجل بتعمير العراق؛ لأن الاقتصاد يرتبط ارتباطاً مباشِراً بمسألة تحسين الأمن.

 

ادنا النصَّ الكامل لكلمة معالي الوزير الدكتور ابراهيم الجعفري في منتدى حوار المتوسط "روما-ميد 2017" برعاية معهد الدراسات للسياسات الدوليَّة الإيطاليّ  ISPI في العاصمة الإيطاليَّة روما:

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله..

أبارك لكم جميعاً فرحة الانتصار الذي حقـَّقته قواتنا العراقـيَّة البطلة، ودحرت داعش في المحافظات المنكوبة سواء كان الجيش، أم الشرطة، أم الحشد الشعبيّ، أم البيشمركة، أم القوات كافة.

ما تحرَّكت القوات العراقـيَّة من ضفة النكبة إلى ضفة الانتصار إلا بعد أن وحَّدت صفها السياسيَّ. ولعلَّ هذه التجربة الرائدة للعراق بدحر داعش بهذا الشكل الواضح، وبهذا الزمن القياسيّ بين أن انطلقت في شهر أيلول/سبتمبر 2014؛ لأنَّ العراق طار بهذه الأجنحة السياسيَّة، والأمنيَّة، والدعم الدوليّ.

الآن تمَّ تحرير المُدُن العراقـيَّة من سيطرة الدواعش باستثناء بعض الجُيُوب البسيطة؛ لأنَّ طبيعة الدواعش أنـَّهم يتحرَّكون بطريقة مثل الخفافيش حتى وإن كانوا أفراداً قليلين بالعدد، لكنّهم لا يُشكـِّلون تحدِّياً ستراتيجيّاً للنظام العراقيِّ، ونحن لا نكتم فرحتنا بتحقيق هذا الانتصار، ولكن في الوقت نفسه لا يُمكِن أن نقف حياديِّين تجاه الدول المنكوبة بداعش، وإن كانت الدول بعيدة عن العراق؛ لأنَّ الإنسان هو الإنسان، وهذا هو البُعد الإنسانيّ الحقيقيّ لمُواجَهة داعش.

ما كان لهذا الانتصار أن يتحقـَّق لولا ما قدَّمت القوات العراقـيَّة بكلِّ مُكوِّناتها من تضحيات كبيرة على طريق المُواجَهة، والمُجتمَع العراقيّ قبل كلِّ شيء قدَّم مُعادِلاً فكريّاً أرجو أن نستفيد من التجربة العراقـيَّة، مُعادِلاً معرفيّاً فكريّاً جعل المُواجَهة تشمل كلَّ العراقـيِّين بمُختلِف خلفـيَّاتهم الفكريَّة، والسياسيَّة، والقوميَّة، والدينيَّة، والمذهبيَّة.

لم تكن المعركة معركة طائفيَّة، ولم تكن معركة دينيَّة، ولم تكن قوميَّة من طرف العراقـيِّين، بل اشترك فيها كلُّ العراقـيِّين عرباً، وأكراداً، وتركماناً، سُنّة، وشيعة، مُسلِمين، وغير مُسلِمين، ووقفوا صفاً واحداً.

تأمين القاعدة الفكريَّة المعرفيَّة لمُواجَهة داعش أضفى على المُواجَهة بُعداً إنسانيّاً؛ وهذا -في تقديري- سِرٌّ من أسرار الانتصار.

الذي حدث أنَّ هناك محافظات عراقـيَّة هي محافظات الضحيَّة: الموصل، والأنبار، وصلاح الدين، لكنَّ المحافظات الأخرى لم تقف مكتوفة الأيدي من شمال العراق إلى جنوبه: دهوك، والموصل، وكركوك، وأربيل، ومن الجنوب: البصرة، والعمارة، والناصريّة، والسماوة، وكربلاء، والحلة، والنجف كلـُّها وقفت موقفاً مُشرِّفاً، وهي محافظات التضحية إذ تطوَّعت لأن تُنازِل داعش في المحافظات الأخرى.

هذا كان هو السِرَّ الثاني.

وعندما عندما رأت دول العالم بأمّ عينها أنَّ كلمة العراقـيِّين مُوحَّدة، وأنَّ المُقاتِلين العراقـيِّين لم ينحازوا إلى طائفة، أو منطقة قدَّموا الدعم.

كان موقفاً مُشرِّفاً، وكنا نحتاج بعض الأحيان هذا الدعم الدوليَّ على شكل تأمين غطاء جوّيّ خُصُوصاً أنَّـه في بدايات 2014 كانت العمليَّات الإجراميَّة لداعش شرسة جدّاً، وكانت حُمُولات الـ(تي أن تي TNT) بشاحنات، فكنا نحتاج إلى تأمين غطاء جوّيٍّ، وقد وقفت هذه الدول إلى جانبنا، وتضافرت الجُهُود الدوليَّة من دون أن يتدخّلوا، ويمشوا على الأرض العراقـيَّة، وكانت إدارة العمل ضدّ الإرهاب إدارة عراقـيَّة محضة.

نُقدِّم لهم كلَّ الشكر، والتقدير لدول التحالف الدوليِّ للوقفة التي وقفوها إلى جانبنا..

مرحلة ما بعد داعش تتطلـَّب مُواصَلة المُجتمَع الدوليِّ بأن يقف إلى جانب العراق، فلا يعني انتصارنا على داعش أنـَّنا حللنا كلَّ المشاكل؛ فقد علـَّمتنا تجارب الحُرُوب أنَّ ما بعد الحُرُوب تتطلـَّب تضافر الجُهُود؛ لمنع عودة هؤلاء، يُضاف إلى ذلك أنَّ التدمير الذي حدث يتطلـَّب حالة من الإعمار والبناء للمُدُن.. الموصل الآن لم تكن كما كانت قبل الحرب، الموصل أم الربيعين مدينة تتميَّز بأنـَّها جميلة، وعامرة، مدينة الجامعات، والاختصاصات، لكنّها الآن مُدمَّرة، وكذا بقـيَّة المُدُن التي تأثـَّرت؛ لذا نحتاج أن نتبنـَّى مشروع إعادة إعمار، وأنا من هنا أناشِد الموقف الدوليَّ أنـَّه كما وقف موقفاً مُشرِّفاً إلى جانب العراق، وسانده في مشروع التحالف الدوليِّ أن يقف إلى جانب العراق، ويُسنِد، ويدعم العمليَّة الاقتصاديَّة تماماً كما حصل في الحرب العالميَّة الثانية بمشروع مارشال عام 1948، ودعم ألمانيا، وأعاد بناء المُدُن التي كانت مُدمَّرة كـ(نورنبيرغ) وبقـيَّة المُدُن، وجعل ألمانيا تنتعش، وتتنفس حالة الاقتصاد القويَّة.

العراق يدعو المُجتمَع الدوليَّ لأن يُؤدِّي دوراً إيجابيّاً في تخفيف التوتـُّر بالمنطقة.. داعش كأيِّ خطر يستثمر مناطق التوتر؛ لذا لسنا بحاجة لفتح أيِّ مُشكِلة في منطقة الشرق الأوسط خُصُوصاً منطقة العراق؛ والجوار العراقيّ، ويجب أن نعمل على تخفيف التوتـُّر؛ لذا من ثوابت السياسة الخارجيَّة العراقـيَّة هي عدم الدخول في سياسة المحاور، والوُقوف إلى جانب كلِّ الدول المنكوبة بداعش، والابتعاد جهد الإمكان عن حالات التوتـُّر.

نعتقد أنَّه يجب أن ننشر ظلَّ الانسجام، والتآلف، والمَحبَّة، والأخوَّة بين هذه الدول، وهذه من ثوابتنا في السياسة الخارجيَّة الابتعاد عن بُؤَر التوتـُّر التي قد تُشكـِّل خدمة لداعش، وتـُروِّج ثقافتها.

تأمين الجانب الثقافيِّ، والسياسيِّ أمر مُهمّ جدّاً.

يجب أن نُحدِّد من أيِّ فكر انطلقت داعش؛ وما لم نُحدِّد فكر داعش، ونضع المُعادِل الفكريَّ لها لا نستطيع أن نقطع الطريق، فالمُواجَهة العسكريَّة علاجات عَرَضِيَّة.

يجب أن نُحدِّد على أيِّ شيء يستند داعش.. داعش استندَّت على نظريَّة بثِّ الرعب بالترويع، تُروِّع الضحيَّة، فتـُشيع ثقافة تقوم على أساس فكر مُتحيِّز شوَّه سُمعة الدين.

كما يجب أن نُقدِّم فكراً مُقابلاً ينشر ثقافة المَحبَّة، والأخوَّة، ويُحصِّن الشباب، والعاملين ضدَّ وسائل داعش، وتُوظـِّفهم توظيفاً خطراً من شأنه أن يجعل قضيَّة داعش مُستديمة، ومُمتدَّة إلى أراضٍ أخرى.

مداخلة أحد الضيوف عقب الكلمة التي ألقها الدكتور إبراهيم الجعفريّ:

  • في بيانك، أو في العرض الذي قدَّمته شدَّدتَ على النصر، وشدَّدتَ على ضرورة إعادة الإعمار، وضرورة الحُصُول على الدعم من المُجتمَع الدوليِّ، وقد ذكرتَ خُطط مارشال -على سبيل المثال- بأنـَّها يُمكِن أن تنسحب على المنطقة.

هذا أمر مُهمّ جدّاً؛ فخُطط مارشال أُعِدَّت، وطـُبِّقت؛ لأنـَّها ركّزت على إعادة إعمار ألمانيا، ووضع إطار سياسيّ لها على هذا المنوال.

برأيك ما الخطوة الرئيسة لإعادة الإعمار على المُستوى السياسيِّ في العراق؟

الجعفريّ: قبل مشروع مارشال صمَّمت الأمم المتحدة شيئاً آخر، وهو مبدأ ترومن، لكنـَّه لم ينجح كثيراً رغم أنَّ ترومن كان رئيس جمهوريَّة، بينما مارشال كان وزير خارجيَّة؛ لأنَّ مشروع مارشال أخذ الجانب التنفيذيَّ العمليَّ في توفير الموادِّ، والمُباشَرة بجدولة مُعيَّنة، فأعاد بناء المُدُن المُتضرِّرة، وهذا شيء طبيعيّ.

إذا نظرنا الآن إلى الذي حدث في منطقة الشرق الأوسط عُمُوماً، والعراق بصورة خاصة نجد أنَّ عناصر استُقطِبوا من عِدَّة دول في العالم وصل عددهم إلى 124 جنسيَّة، وهو آخر ما هُزِمَت فيه داعش من الموصل، منهم مَن يحملون جنسيَّات من كبرى ديمقراطيَّات العالم: من أميركا، ومن بريطانيا، وعُمُوم أوروبا، ومن دول الشرق الأوسط، ودول الخليج؛ إذن العراق كان يُواجه جيشاً يتكوَّن عناصره من هذه الدول.

والمُدُن عندما تُخرَّب لا تستطيع الدولة وحدها أن تُعِيد بناءها بهذه السرعة، فلابُدَّ أن يقفوا إلى جانبنا؛ لذا مثلما وقفوا في توفير المعلومات، ووقفوا في تدريب القوات المسلحة العراقـيَّة حان الوقت لأن يقفوا إلى جانب العراق في مسألة الإعمار والبناء.

هذا حقّ طبيعيّ لدولة تخوض حرباً عالميَّة بامتياز.

ماذا يعني مفهوم العالميَّة؟

العراق واجه حرباً عالميَّة من عِدَّة جنسيَّات، حرباً عالميَّة استُهدِفَ فيها كلُّ المُواطِنين العراقـيِّين، وكلّ الديانات، وكلّ القوميَّات، وكلّ الطوائف، وقد واجههم العراق بكلِّ شجاعة، وانتصر؛ فمثلما واجه جيشاً عالميّاً لابُدَّ أن يُوفـَّر له مُعادِل عالميّ.

على العالم أن يُواصِل دعمه للعراق، وينتقل من مسألة الدعم الأمنيِّ إلى الدعم الاقتصاديِّ.

الدعم الاقتصاديّ حقّ طبيعيّ على العالم أن يفي به، والعراق دولة غنيَّة، لكنـَّه يمرُّ الآن بظرف استثنائيّ.. العراق بلد مُتعدِّد الثروات، بلد النفط، والثروة المائيَّة، وبلد العتبات، والسياحة، وبلد الزراعة، لكنّه بعد هذه الحرب يمرّ بظرف استثنائيّ خُصُوصاً أنـَّه يُعاني من عجز في المُوازَنة بسبب تدهور أسعار النفط عالميّاً؛ لأسباب خارجيَّة، وليست أسباباً عراقـيَّة.

تحرَّكنا منذ زمن إلى جانب دعوة هذه الدول لإسناد العراق سياسيّاً، وإسناده في الأمم المتحدة تحرَّكنا لدعم العراق اقتصاديّاً، وجاءت مُبادَرة بمليارين ومائة مليون دولار، والآن الكويت بصدد عقد مُؤتمَر لدعم العراق اقتصاديّاً، وكذلك بقـيَّة الدول.

نتمنّى من كلِّ الدول أن تدخل إلى العراق من هذا الباب.. وفرص الاستثمار، والإعمار، والبناء مفتوحة، وتستطيع أن تستفيد هذه الدول من الاستثمارات في السوق العراقـيَّة، وتُعجِّل بتعمير العراق؛ لأنَّ الاقتصاد يرتبط ارتباطاً مُباشِراً بمسألة تحسين الأمن.

كلُّ نظام سياسيّ في العالم من دون استثناء يطير بجناحين: جناح الاقتصاد، وجناح الأمن، وما استطاعت أوروبا أن تنتقل من مرحلة التمزُّق، والحُرُوب الأوروبيَّة إلى الاتحاد الأوروبيِّ المُشترَك إلا بعد أن تحرَّكت أمنيّاً، فأنتجت "الناتو"، وتحرَّكت اقتصاديّاً، فأنتجت السوق الأوروبيَّة المُشترَكة..

فكلُّ بلد في العالم عندما يتعرَّض لهذه التحدِّيات لابُدَّ أن يستفيد من هذين المجالين: الأمن، والاقتصاد.