كلمة وزير الخارجية في مؤتمر السفراء السادس ببغداد

2018/02/02 | المكتب الإعلامي |
1438

أكّد وزير الخارجية الدكتور إبراهيم الجعفري أن العراق انتهج مبدأ التوازن للتوفيق في علاقته مع دول المنطقة، وقد انفتح على الجميع ولم يتبنَّ سياسة المحاور، جاء ذلك في كلمة القاها بافتتاح مؤتمر السفراء السادس الذي انطلقت فعالياته اليوم في بغداد.

وأضاف السيد الوزير في حفل الافتتاج بحضور رئيس الجمهورية الدكتور فؤاد معصوم ورئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي ورئيس البرلمان الدكتور سليم الجبوري، "لم يكن أمراً سهلاً أن نـُوفـِّق لعلاقتنا مع الدول التي تقاطعت فيما بينها: سورية، وتركيا، وإيران، والسعوديّة؛ فهي دول مُحادِدة للعراق تتقاطع إلى حدٍّ غير مُريح، ومُؤذٍ لكن العراق برهن أنـَّه فتح علاقاته مع هذه الدول من دون أن يتعثـَّر، وأصرَّ على أن يُوصِل صوته المُتوازن بعيداً عن رُدُود الفعل"، مشيرا الى أنَّ العراق ليس جزءا من أية دولة او محور يُمكِن أن يتقاطع مع بعضه، العراق له سيادته وخطابه ونظامه الجديد لذا أطلَّ على دول العالم ونشر العلاقات بشكل مُتوازِن.

وأكد ان العراق مُصمِّم على الاستمرار في سياسة الانفتاح من موقع الثقة بالنفس، والمُشارَكة على قاعدة المصالح المُشترَكة، ومُواجَهة المخاطر المُشترَكة، وفي مُقدّمتها الإرهاب، لافتا الى "ان توحد الخطاب سياسيّاً والموقف عسكريّاً دفع دول العالم الى أن تستجيب، وتمد أكف المساعدة من هنا وهناك لمُساعَدة العراق".

وأشار الى "ان العراق حصل على 488 صوتاً في الاتحاد الأوروبيّ، ووصل العراق إلى عضويَّة 17 منظمة أمميَّة بكلِّ جدارة، ما كانت في مرحلة عصبة الأمم، ولا في مرحلة هيئة الأمم أن يصل إلى هذا الحجم، بل كان يُعاني من الاختناق، والاتهام أينما ذهب".

 

وفي ما يلي النص الكامل لكلمة وزير الخارجيَّة في مؤتمر السفراء السادس ببغداد:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..

قال الله -تبارك وتعالى- في محكم كتابه العزيز:

((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) {العنكبوت/69}

أوَّلاً نـُرحِّب بإخواننا الأعزاء الضُيُوف الكرام الذين شرَّفونا بهذا الحُضُور، وأخصُّ بالذكر السيِّد رئيس الجمهوريَّة، والسيِّد رئيس الوزراء، والسيِّد رئيس مجلس النواب، والسيِّد رئيس المحكمة الاتحاديَّة، ولا يفوتني أن أخصَّ بالذكر الشهداء الذين خطـُّوا ملحمة النصر بدمائهم الزكيّة في أحرج ظرف، ووجَّهوا رسالة إلى العالم بأنَّ التجربة العراقـيَّة تجربة رائدة، وأنَّ إرادة الشُعُوب عندما تلتحم مع بعضها لا يُمكِن أن تنكسر، بل تحقق الكرامات، بل المُعجزات.. هذا هو الذي خطته القوات المسلحة العراقـيَّة تحديداً الجيش، والشرطة، والبيشمركة، وقوات الحشد الشعبيّ، وقوات مكافحة الإرهاب، وأبناء العشائر.

هذا هو مفهوم من خطـُّوا ملحمة النصر من شهداء العراق الذين نرفع رُؤُوسنا في كلِّ منظمات العالم، وكلِّ دول العالم عندما نـُسجِّل بأمانة كيف بدأت ملحمة النصر في محافظات الضحيَّة: الموصل، والأنبار، وصلاح الدين.

في بداية تصدِّي الحكومة ورثت هذه التركة الثقيلة، وكيف انتهت مُنتقِلة مُظفـَّرة من شاطئ الاستلاب إلى شاطئ النصر المُؤزَّر.

جرت العادة على إقامة مُؤتمَر سنويّ للسادة السفراء العراقـيِّين؛ لمُواكَبة التطوُّرات التي تحدث في العراق، كما يُتابع العراق تطوُّرات العالم عبر تواجُدهم الحيويِّ في عواصم العالم المُختلِفة.

هذا المُؤتمَر هو السادس في عمر الخارجيَّة العراقـيَّة منذ عام 2003 وإلى الآن، وهو المُؤتمَر الثالث في عمر الحكومة العراقـيَّة.. سبق هذا المُؤتمَرَ مُؤتمَران للسفراء، وساهما في إثراء العمليَّة السياسيَّة إثراءً مُمتازاً عبر السادة السفراء.

ما كان للدبلوماسيَّة العراقـيَّة أن تـُواكِب هذه الانتصارات التي حققتها في أروقة العالم المُختلِفة سواء كان في الجامعة العربيَّة، أم مُؤتمَر التعاون الإسلاميّ، أم دول عدم الانحياز، أم الأمم المتحدة ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه لولا وقوفها على قاعدة رصينة صنعها الأبطال الشهداء.

أرجو أن لا يغفل العراقـيُّون قيمة النصر الحقيقيّ الذي تحقق، وأنه لا ينبغي أن يُركَن بالذاكرة، ويصبح جزءاً من التاريخ، فالذين منحونا دماءهم منحونا منطق النصر بالتفكير، ومنطق النصر بصناعة المواقف السياسيَّة، ومنطق النصر في تأسيس الخطاب الواعد والواثق من نفسه، والخطاب العراقيّ اليوم خطاب مسموع، وموثوق به، وأنَّ العالم يُراجع على ضوء الخطاب حقيقة ما جرى في العراق، وما يُمكِن أن يجري -لا سمح الله- من تحدِّيات الإرهاب في أيِّ منطقة من مناطق العالم؛ لذا يصحُّ أن نـُعبِّر أنَّ التجربة العراقـيَّة تجربة رائدة.. ومعنى أن تكون رائدة لا سابق لها في مجال المُواجَهة ضدّ الإرهاب.. الكثير من إرادات الدول انكسرت أمام إرادة الإرهاب بهذه الوحشيَّة التي أبدتها الجُيُوش، والتحشُّدات التي وقفت خلف ستار داعش، ولم تكن داعش مسألة محدودة، وبسيطة، بل مثـَّلت إرادات الشرِّ التي تكالبت على العراق، كما تكالبت على غيره في المنطقة، وقد تتكالب على مناطق أخرى.

سجَّلت القوات المسلحة العراقـيَّة انتصاراتها المُظفـَّرة، وكان هذا الانتصار يحقُّ لكلِّ دول العالم أن تفرح به، وتفخر به.. نعم، السواعد العراقـيَّة، والإدارة العسكريَّة العراقـيَّة، والقوات المسلحة العراقـيَّة هي التي صنعت ذلك في العراق، لكن بكلِّ تأكيد لم يكن بمعزل عن إرادات الخير التي تجمَّعت جميعاً لرفد العمليَّة السياسيَّة، ورفد العراق، والوقوف إلى جانبه؛ لذا يحقُّ لها، بل يجب عليها أن تفتخر بالنصر الذي تحقق، وهو نصر وإن كان على الأرض العراقـيَّة لكنه تنفـَّس في فضاء اتسع لكلِّ دول العالم المُحِبَّة للخير، والتي أصابها ما أصابها من مواجع الإرهاب منذ مطلع القرن الحادي والعشرين إلى اليوم.

الدبلوماسيَّة العراقـيَّة أخذت على عاتقها أن تنتقل من شاطئ الحصار إلى شاطئ الانفتاح على دول العالم، وكان العراق إلى الأمس القريب تختنق فيه كلّ الدول بدءاً بدول الجوار الجغرافيِّ مُرُوراً بدول المنطقة، والشرق الأوسط انتهاءً بدول العالم كلها كانت تختنق من العراق، ولا تنفتح عليه؛ لذا تمَّ تشخيص ذلك ليس الآن فقط، بل منذ اليوم الأوَّل الذي سقط به النظام.

والحكومة الأولى التي تشكّلت في مجلس الحكم وضعنا بنظر الاعتبار أنـَّه لابُدَّ من فكِّ الاختناق بمواقف، وبصدق في الخطاب، ومِصداقـيَّة في صناعة المواقف؛ لذا كانت السفرة الأولى عام 2003 في مجلس الحكم  لمُدَّة 7 أيَّام لزيارة سبع دول، وأشعرنا العالم، واتصلنا بهذه الدول التي كنا نـُقدِّر أنـَّها ستنتابها بعض الهواجس الموهومة، وتعدُّ العراق عامل خطر.

منذ ذلك الوقت رحل وفد مجلس الحكم، وسافر إلى عِدَّة مناطق، وأشعر العالم، ورؤساء الدول أنـَّه لا خشية على العراق بعد أن تجاوز عصر الدكتاتوريَّة، ولا يخاف عليهم، ولا على مصالحهم، وأنَّ العراق آلَ على نفسه أن يبني وضعاً جديداً يمدُّ الجُسُور مع دول العالم المُختلِفة.

الخارجيَّة اليوم تـُواصِل عهدها مع الله، ومع الشعب، ومع كلِّ الأشقاء، والأصدقاء على مسيرة دبلوماسيَّة تحمل مفاهيم حضاريَّة، وإنسانيَّة تـُعبِّر عن مفاهيم، وحضارة العراق المُوغِلة بالقِدَم؛ لذا ما كان من السهل أن نبدأ من خط العزلة؛ لننتهي إلى خط الانفتاح.. من خط رُدُود الفعل، والاستجابة إلى خط المُبادَرة.

الخطاب العراقيّ اليوم خطاب مسموع، والخطيب العراقيّ خطيب مُحترَم؛ كلّ ذلك بسبب شرعيَّة قضيّـته، وانسجام القوى السياسيَّة المُختلِفة، وانسجام الكتل العسكريَّة المُختلِفة، والتحام حاضره بماضيه؛ حتى تلتقي لدى المُتلقـِّين في مُختلِف دول العالم.

إنَّ العراق الذي سُمِعَ عنه أنَّ لديه حضارة، وتاريخاً ها هو اليوم يعود مرَّة أخرى ليصنع تاريخه، ويُواصِل صناعة حضارته.

التمسُّك بمسألة التوازن مع دول المنطقة لم يكن أمراً سهلاً لأن نـُوفـِّق لعلاقتنا مع الدول التي تقاطعت فيما بينها: سورية، وتركيا، وإيران، والسعوديّة ما كان من السهل فهي دول مُحادِدة للعراق تتقاطع إلى حدٍّ غير مُريح، ومُؤذٍ؛ لكن مع ذلك برهن العراق أنـَّه فتح علاقاته مع هذه الدول من دون أن يتعثـَّر بهذه الجزئيَّة، أو تلك الجزئيَّة، وأصرَّ على أن يُوصِل صوته المُتوازن بعيداً عن رُدُود الفعل؛ لذا فتح أبواب بغداد لهم، واستقبلهم، كما بادرت الخارجيَّة العراقـيَّة لزيارة عواصم العالم لحمل نفس الصوت، وإيجاد المُشترَك الذي يربطنا مع دول العالم المُختلِفة؛ لذا لم نكن نتأثـَّر ببعض الأشياء التي حصلت.

العراق ليس جزء من أيِّ دولة، وأيِّ محور يُمكِن أن يتقاطع مع بعضه، العراق له سيادته، وخطابه، ونظامه الجديد؛ لذا أطلَّ على دول العالم، ونشر العلاقات بشكل مُتوازِن.

سورية، واليمن، ومصر، وتركيا، والسعوديَّة، وإيران، ودول العالم كافة شهدت بما لا يدع مجال للشكِّ أنَّ العراق مُصمِّم على الاستمرار بسياسة الانفتاح من موقع الثقة بالنفس، والمُشارَكة مع إخواننا على قاعدة المصالح المُشترَكة، ومُواجَهة المخاطر المُشترَكة، وفي مُقدّمتها: الإرهاب.

أصرَّ العراق على ذلك، واليوم يتواصل بنفس الروحيَّة لكسر طوق العزلة، والحمد لله اليوم لم يُعانِ العراق، ولا العراقـيُّون من أنـَّهم في عزلة، بل بكلِّ ثقة يتعاملون، وبكلِّ تواضُع، ودول العالم تـُبادِل العراق كلَّ الاحترام، والتقدير؛ لذا شهد العراق، وشهدت المنطقة ظاهرة تبادل الزيارات المُختلِفة من أقصى دول العالم إلى بغداد، حتى نحار بعض الأحيان كيف نـُوفـِّق في الاستقبال الذي يليق بهذه الدول الصديقة، وزحمة اللقاءات التي كانت تحصل، وما كان منا إلا أن نُضاعِف                      من جُهُودنا؛ هذا تعبير عن الجُهُود التي بذلتها كلُّ الحكومة بكلِّ وزاراتها، والموظفون الذين عملوا في وزارة الخارجيَّة سواء كان في المركز ببغداد، أم في البعثات التي انتشرت في عواصم العالم صنعوا العراق الجديد.

خط الاصطفاف العسكريّ، وخط الاصطفاف السياسيّ شاهده العالم قبل أن يستجيب، ويُلبِّي الحاجة بعد أن كان يغضّ البصر عن عمد.. شهد العالم أنَّ كلمة الشعب العراقيِّ مُوحَّدة سياسيّاً، اختلفوا، وقد يختلفون؛ لأنَّ العراق بلد التنوُّعات الدينيَّة، والقوميَّة، والمذهبيَّة، والسياسيَّة لكنـَّهم في مجال الأخطار المُشترَكة، والمصالح المُشترَكة لا يختلفون.

عندما توحَّد الخطاب سياسيّاً، وتوحَّد الموقف عسكريّاً ما كان من العالم إلا أن يستجيب، وما كانت من دول العالم إلا أن تتبارى، وتجود، ومدَّت أكفَّ المُساعَدة من هنا وهناك؛ لمُساعَدة العراق، ووقفت إلى جانبنا في المجال الأمنيِّ، والمجال السياسيِّ، وأعطت العراق ولو بعضاً من حجمه المشروع، وليس كلُّ حجمه المشروع، وصوَّتت لصالح العراق بـ 488 صوتاً في الاتحاد الأوروبيّ لصالح العراق، ووصل العراق إلى عضويَّة 17 منظمة أمميَّة بكلِّ جدارة، ما كانت في مرحلة عصبة الأمم، ولا في مرحلة هيئة الأمم أن يصل إلى هذا الحجم، بل كان يُعاني من الاختناق، والاتهام أينما نذهب.

ما بين نقطة الشُرُوع في تأسيس هذه الحكومة إلى هذه النقطة التي اليوم نحن واقفون على هذه المِنصَّة مِنصَّة الخارجيَّة بون شاسع، ما بين بدأنا إلى أن وصلنا إليه هذا كلـُّه جاء بجُهُود الخيِّرين منكم لا نختزله بشخص، ولا نختزله بحزب، ولا نختزله بطائفة، ولا نختزله بدين، ولا نختزله بقوميَّة، حتى الخلافات التي حصلت بيننا عندما حدَّدت الحكومة الموقف من هذه الخلافات على سبيل المثال الذي حصل بالاستفتاء لم تعصف برأس الحكومة عواصف الحقد، والحساسيات، بل حصرتها بأضيق دائرة، وانتهى الاستفتاء، وكنا قد عبَّرنا عنه في الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة بأنَّ هذا التصرُّف خطأ، لكن ما تعاملنا كخطيئة، ونعمل تصفية حسابات.

أثبتت الحكومة أنـَّها تعاملت برصانة، وأنَّ علاقتها مع أبناء شعبنا في كردستان قويَّة، وقائمة على قاعدة المُشترَكات الكثيرة؛ لذا مرَّة أخرى جدَّد العالم احترامه لنا جميعاً.

لو لم تتحلَّ الحكومة بهذه الحكمة لعصفت أيُّ مُشكِلة من هذه المشاكل التي عصفت بالعراق، لكنَّ الحكمة العالية التي تمتـَّع بها الجميع وأنا شاهد على ما يحصل في مجلس الوزراء إذ تجنـَّب كلَّ مُشكِلة من شأنها أن تـُثِير الفِتـَن.

هذه الحكومة حققت إنجازات ذكرها العالم اليوم، وسيذكرها التاريخ، ولا يُمكِن تقييم أيِّ حكومة بغضِّ النظر عن الظرف الذي يُحِيط بها.. نحن جئنا في الظرف الصعب، والتركة الثقيلة بالأزمات المُتعدِّدة حيث أزمة اقتصاديَّة هبَّت على كلِّ دول العالم بانخفاض سعر النفط الحادِّ، ومُوازَنة العراق تعتمد في أكثر من 90% على النفط، وإذا بالنفط ينخفض.

هذا ليس إجراءً، ولا خطأً حكوميّاً، هذه ظروف دوليَّة، وعالميَّة؛ في هذا الظرف الصعب تقلـَّص المُوازَنة، وازدادت الحاجة لإعطاء مزيد من الرعاية، والدعم الماليِّ للقوات العسكريَّة العراقـيَّة، ولدينا عدد كبير من الشهداء.

ماذا نعمل؟

في الوقت الذي ازدادت الحاجة إلى النفقة، وقلـَّت الموارد، ووُجُود بعض ترسُّبات الفساد، لكنَّ الحكومة ظلت مُصِرَّة، ورُبَّما كثير من الدول كانت تتصوَّر أنـَّه من الصعب إن لم يكن من المُستحيل تجاوز هذه الأزمات، لكنَّ العراق برهن أنـَّه أقوى من هذه المُستحيلات التي تصوَّروها.

تجربة العراق اليوم رائدة يحِقَّ لي أن أصفها كما وصفتها في الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربيَّة تجربة رائدة، وجديرة بالحذو، والاقتداء، وكيف استطاعت أن تواجه هذه التحدِّيات، وتصنع النصر في عنفوان التحدِّيات.

صورة العراق اليوم رغم كلِّ التشويه الذي حصل صورة ناصعة -الحمد لله-، وكنا ننقل بأمانة ما يحدث في العراق، ولم نُقلـِّص خطاب الخارجيَّة في شريحة اجتماعيَّة، بل كنا نئنُّ لأنين كلِّ طرف مُتضرِّر، نتحدَّث عن الإيزديَّة في سنجار، كما نتحدَّث عن التركمان الشيعة في تلعفر، ونتحدَّث عن المسيحيِّ الذي تضرَّر، ونتحدَّث باسم السنيِّ، والشيعيِّ، والعربيِّ، والتركمانيِّ.

الخارجيَّة وزارة سياديَّة، بل الوزارة السياديَّة الأولى في كلِّ أنظمة العالم، وليس لها أن تتقلـَّص في أحد؛ لذا رئة الخارجيَّة لا تختنق بأحد، وتتنفس برئة مفتوحة لكلِّ العراقـيَّين.. نعم، تـُحابي، وتـُميِّز بينهم على أساس الكفاءة، والإخلاص، والسهر، والإنجازات؛ وهذا شيء طبيعيّ حتى إنَّ الله -تعالى- يُميِّز بين الناس بعلمهم:

((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ))     {الزمر/9}

لذا عُرف الخارجيَّة العراقـيَّة اليوم عُرف ينفتح على كلِّ القدرات، والقابليَّات، ويستبعد أيَّ تمييز بين المُواطِنين في هيكليَّـته رغم الظروف الصعبة التي نمرّ بها، ورغم المُوازَنة التي آذتنا.

بالنسبة للخارجيَّة تشتغل الآن بربع المُوازَنة التي كانوا سابقاً يأخذونها، ومع ذلك اعتمدنا مبدأ اللجان، وتحكيم المعايير الصحيحة، ولم أتدخّل باسم أحد لا بالورقة، ولا بمُخابَرة، ولا بإشارة، بل أعتمد اللجان المُختصَّة، وأطلق لها العنان أن تختار، وتُطبِّق هذه المعايير على أبنائي وبناتي الذين يعملون.

لا أحد يشعر أنه غُبِن في وزارة الخارجيَّة العراقـيَّة أبداً، ولم نُعيِّن أحداً بالوساطات أبداً، بل كلـُّه بتحكيم المعايير، ونُعلن الدرجات الشاغرة، ونطلب أن يكون التعيين على أسس صحيحة.

الخارجيَّة ثبّـتت مواقف باتجاه الملفات الساخنة.. تعرفون أنـَّه تُوجَد مشاكل الآن عصفت بالمنطقة مصر، والسعودية، وقطر، واليمن، والبحرين، وتركيا لم نكن في معزل، وماعشنا حصاراً، وقلنا: نجلس في بيتنا، ونسكت، ولا نزور هذه العواصم، ونستقبل ممثلي هذه الدول إلى العراق، ونعطي وجهة نظر من دون أن نكون جزءاً من المُشكِلة، بل أصررنا على أن نكون جزءاً من الحلِّ إن لم نكن مشروع حلّ.

هذا هو العراق الجديد في العالم، ولا ينبغي أن ننظر إلى ذلك بغرور، لا والله لكن يجب أن ننظر بثقة: ((وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ))..

العراق اليوم بلد مسموع الخطاب في العالم، وتتطلـَّع له دول العالم أنـَّه استطاع أن يُحقـِّق ما لم يكن مُتوقـَّعاً سابقاً.

مرَّة أخرى أجدِّد شكري وتقديري للعاملين في وزارة الخارجيَّة كافة، وأوصيهم مع وُجُود هذا الكمِّ النوعيِّ المُمتاز في هذا المُؤتمَر أوصيهم بالاهتمام بأبنائنا، وبناتنا في دول العالم.

إيَّاكم أن تشتبهوا.. العراقيّ قارئ جيِّد، يقرأ لغة المرئيِّ أكثر من لغة المقروء، والمسموع..

هؤلاء الموجودون في مُختلِف مناطق العالم عراقـيُّون إلى مُخِّ العظمّ.. العراقيّ لا يفقد عراقيَّـته إذا خرج عن أرضه، وإنـَّما يفقد عراقيته إذا خرج عن وطنيَّته.. هؤلاء وطنيّون واكبتـُهم منذ مُدَّة المُعارَضة، وما بخلوا.

هذه التي يُحاولون الآن أن يُشعلوها، وهي التمييز بين عراقيِّي الداخل، وعراقيِّي الخارج فِتنة.

كلـُّهم عراقـيُّون، وكلـُّهم مُحترَمون، وكفاءات مُحترَمة يعملون من أجل العراق، وبهم يطير العراق على جناحين، كما يطير أيِّ طائر في سماء الحضارة.

شكراً لكم على حُضُوركم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.